منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٦٥٨ - الفصل السّادس في صفة كرمه
و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يكاد يسأل شيئا إلّا فعله.
قال العراقي: هذا معلوم. و يدلّ عليه ما رواه الترمذيّ، و ابن ماجه، و النسائي؛ من حديث ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما):
توفّي و درعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله.
و قال ابن ماجه: بثلاثين صاعا من شعير. و إسناده جيد.
و للبخاري؛ من حديث عائشة: توفي و درعه مرهونة عند يهودي. انتهى
قلت: اليهودي هو أبو الشحم. و الجمع بين الروايتين أنّه أخذ منه أوّلا عشرين؛ ثم عشرة، ثم رهنه إيّاها على الجميع، فمن روى العشرين لم يحفظ العشرة الأخرى، و من روى الثلاثين حفظها، على أنّ روايتها أصحّ و أشهر، فكانت أولى بالاعتبار.
و هذا يدلّ على غاية تواضعه (صلّى اللّه عليه و سلم)، إذ لو سأل مياسير [١] أصحابه في رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك، فإذا ترك سؤالهم و سأل يهوديا؛ و لم يبال بأنّ منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودي في ذلك؛ فدلّ على غاية تواضعه و عدم نظره لحقوق مرتبته.
و فيه دليل على ضيق عيشه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لكن عن اختيار؛ لا عن اضطرار، لأن اللّه فتح عليه في أواخر عمره من الأموال ما لا يحصى، و أخرجها كلّها في سبيل اللّه، و صبر هو و أهل بيته على مرّ الفقر و الضيق و الحاجة التامّة. انتهى؛ ذكره في شرح «الإحياء» المسمّى «إتحاف السادة المتقين».
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»؛ عن طلحة (رضي الله تعالى عنه):
(كان (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يكاد يسأل)- بالبناء للمفعول- أي: لا يطلبه أحد (شيئا) من متاع الدنيا (إلّا فعله). أي: جاد به على طالبه، لما طبع عليه من الجود، فإن لم
[١] جمع موسر، أو ميسور. أي أصحاب اليسار في النفقة أو السعة في الرزق.