مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٥١٧ - مصباح ٥٠ في استحباب الغسل للتوبة عن كفر أو فسق
فكان بعضها أعظم من بعض، مع أنّه (عليه السلام) في مقام الردع و الزجر و يناسبهما التعظيم و التهويل. و قد يتّفق مثله في مقام التنزيه فضلًا عن التحريم، و لو كانت المعصية الحاصلة منه كبيرة لكان المفهوم من الحديث هو الإصرار على الكبيرة، فإنّه (عليه السلام) قال:
«لأنّك كنت مقيماً على أمرٍ عظيم»، و مقتضاه ثبوت العِظَم في أصل الفعل، و تعليل الغُسل بالإصرار عليه، و لا قائل باختصاص الغسل بالإصرار على الكبيرة.
و مع ذلك ففي الحديث شواهد على العموم، كقوله (عليه السلام): «أما سمعت اللّٰه يقول:
«إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا» [١]»، و قوله: «و اسأله التوبة من كلّ ما يكره»، و قوله: «فإنّه لا يكره إلّا القبيح، و القبيح دعه لأهله».
و ليس الغرض من ذلك عدم تبعيض التوبة، كما ذهب إليه بعض المتكلّمين [٢]، فإنّ الحقّ أنّها تتبعّض كما حُقِّق في محلّه، بل الغرض الأمر بالتوبة من كلّ ذنب، سواءٌ في ذلك استماع الغناء و غيره، و الكبائر من الذنوب و صغائرها، فيثبت الغسل في الجميع كما يقتضيه التعليل و التذييل.
و أمّا ما قيل من أنّ الصغائر مكفّرة بترك الكبائر [٣]، استناداً إلى ظاهر قوله تعالى:
«إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ» [٤]، فليس على ما ينبغي؛ فإنّ التوبة عن الذنوب كلّها واجبة، كبيرةً كانت أو صغيرةً، و الصغيرة بترك التوبة تصير كبيرة إلّا مع الغفلة أو النسيان، فتكفّر بترك الكبائر، و عليه تحمل الآية.
[١]. الإسراء (١٧): ٣٦.
[٢]. نسبه الشيخ المفيد في أوائل المقالات: ٨٦، إلى أبي هاشم الجبائي.
[٣]. قاله الفاضل المقداد في كنز العرفان ٢: ٣٧٢، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام ١٤: ١٦٦، و المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان ١٢: ٣١٩، و غيرهم.
[٤]. النساء (٤): ٣١.