مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٤٤٩ - أدلّة القول بالاستحباب
للحدث و إيجاب الغسل فيه على المتطهّر- مع بُعده عن أنظار الفقهاء و اعتبار الحجج و النظائر- لو كان شيئاً ثابتاً لظهر، و اشتهر، و عرفه الناس، و ارتفع عنه الشك و الالتباس؛ لعموم البلوى و شدّة الحاجة، و تعلّقه بركنين عظيمين من الإسلام، و هما الحجّ و العمرة، و الحال تشهد بخلاف ذلك؛ فإنّ المعلوم من عمل المسلمين و فتاوى العلماء من العامّة و الخاصّة عدم الالتزام بهذا الغسل، و لا الإلزام به، و لا جعلِه شرطاً للإحرام الذي هو ركن في الحجّ و العمرة، كالنيّة و التلبية.
و أمّا الأخبار الواردة في غسل الإحرام، فهي و إن كانت كثيرة إلّا أنّ كثيراً منها قد جاء في تعداد الأغسال، أو الأفعال الواجبة و المندوبة على وجه لا يتميّز أحد القسمين عن الآخر إلّا بدليل منفصل، و المتحصّل منه أصل الشرعيّة، و هو بضميمة الأصل دليل الندب، بل الذي يلوح من أكثرها نظراً إلى درجه في السنن و غلبة المندوب فيه على غيره، أنّه مستحبّ لا واجب.
و أقرب ما يستدلّ به على الندب روايات، منها: ما رواه الكليني في الصحيح، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق [أو] إلى الوقت من هذه المواقيت و أنت تريد الإحرام إن شاء اللّٰه فانْتِفْ إبطيك، و قلّم أظفارك، و اطلِ عانتك، و خُذْ من شاربك، و لا يضرّك بأيّ ذلك بدأت، ثمّ اسْتَكْ و اغتسل و الْبَس ثوبيك، و ليكن فراغك من ذلك إن شاء اللّٰه تعالى عند زوال الشمس، و إن لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرّك، غير أنّي أُحبّ أن يكون [ذاك مع الاختيار] عند زوال الشمس» [١].
و لا ريب أنّ سياق هذا الحديث الندب.
و ما رواه الشيخ، و الصدوق في الفقيه، في الصحيح، عن معاوية بن وهب، قال:
[١]. الكافي ٤: ٣٢٦، باب ما يجب لعقد الإحرام، الحديث ١، و ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر، وسائل الشيعة ٣: ٣٣٦، كتاب الطهارة، أبواب الأغسال المسنونة، الباب ٢٦، الحديث ١.