مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٢٦٧ - مناقشة أدلّة المانعين
التعرّض لهذا الحكم-: أنّ مساكنهم (عليهم السلام) حال حياتهم و حضورهم ما كانت تخلو من جنب و حائض من أولادهم و مواليهم و نسائهم، و كانت مع ذلك يطرقها الرجال و النساء من خارج، و لو حرم دخولها على الجنب و الحائض لاشتهر ذلك و ظهر للصحابة و أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، و لمنعت النساء الحُيَّض من الدخول عليهم، و المعلوم من سيرة النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) خلاف ذلك. و لو لم يكن إلّا مباشرتهم لحلائلهم و إمائهم و تمكّنهنّ من مساكنهم حال الحيض و النفاس و معاشرتهنّ في تلك الحال- كما نطقت به الأخبار، بل عُلم ضرورةً من الدين- لكفى دليلًا قاطعاً على الجواز؛ إذ لو كان مُنِع لعمّ كلّ أحد من قريب أو بعيد، لاشتراك التكليف و وجود مقتضى المنع في الجميع، فإنّ الوجه وجوب احترام النبي (صلى الله عليه و آله) و الإمام، و منافاة حضور الجنب و الحائض للتعظيم المطلوب، و هذا كما يطّرد في جميع الناس، فكذا في جميع الأماكن، و إن لم يكن من مساكنهم المختصّة بهم؛ فإنّ حرمة المساكن تابعة لاحترامهم، و تعظيمها من توابع تعظيمهم، فيجب أن لا يحضر عندهم حائض و لا جنب، في حضر و لا سفر، و لا دار و لا حمّام و لا طريق، و المعلوم بالسيرة القاطعة خلاف ذلك.
و قد روى نقلة الأخبار أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) كان إذا لقي الرجل من أصحابه مسحه و دعا له، فلقيه حذيفة اليماني و هو جنب، فحاد عنه، ثمّ أتاه بعد ذلك، فقال: «إنّي رأيتك فحدت عنّي؟» فقال: إنّي كنت جنباً فخشيت أن تمسّني. فقال (عليه السلام): «إنّ المسلم لا ينجس» [١].
و روي أيضاً أنّ أبا هريرة لقيه في طريق من طرق المدينة و هو جنب، فانسل فذهب فاغتسل، ففقده النبي (صلى الله عليه و آله)، فلمّا جاء قال: «أين كنت؟» فقال: يا رسول اللّٰه، لقيتني و أنا جنب، فكرهت أن أُجالسك حتّى أغتسل. فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «سبحان
[١]. سنن أبي داود ١: ٥٩، الحديث ٢٣٠، سنن ابن ماجة: ٩٥، الحديث ٥٣٥.