مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٧٨ - المختار في المسألة
المعصومون من الملائكة أو البشر.
و لو أُريد به حينئذٍ منع المحدث من مسّ المصحف- كما هو ظاهر الخبرين المتقدّمين [١]- أمكن الاستدلال برجحان التخصيص على غيره عند التعارض.
و قوله: «لٰا يَمَسُّهُ» نفي بمعنى النهي، أو بمعنى الإخبار عن التحريم*، و المراد عدم جواز المسّ للمحدث؛ فإنّه أقرب المجازات إلى الحقيقة المتعذّرة، و المتبادر من اللفظ بعد تعذّر الحقيقة، و من ثَمّ كان المفهوم من قولنا: «افعل» و «تفعل»- مراداً به الإنشاء- شيئاً واحداً، و كذا: «لا تفعل» نفياً و نهياً، كما يشهد به العرف، و تتبّع الأخبار، و الاستعمالات الواردة، و صحّة تبادل القولين في الخطابات و المحاورات؛ فإنّ السيّد إذا أمر عبده بشيء، فتارةً يقول له: افعل، و أُخرى: تفعل، و المعنى واحد، و لو ترك العبد ذلك عُدّ عاصياً في الموضعين، و استحقّ العقوبة فيهما، و لم يقبل منه العذر في الثاني بعدم الأمر، و لو اعتذر بذلك لكان عذراً ساقطاً لا يرتفع به الذمّ من العقلاء، و لا استحقاق العقاب من المولى.
و يدلّ على ذلك أيضاً: احتجاج الفقهاء قديماً و حديثاً بالجمل الخبريّة الثبوتيّة على الإيجاب، و السلبيّة على التحريم، كاستدلالهم بالأمر و النهي، و عليه مدار الفقه.
و قد أكثر جماعة من المتأخّرين المناقشة في ذلك [٢]، و هو من الضعف بمكان.
*. جاء في حاشية «د» و «ش»: «و بالحمل على الإخبار عن التحريم يندفع ما قيل من رجحان إرجاع الضمير إلى الكتاب المكنون [٣]؛ لأنّه لو عاد إلى القرآن لزم الإخبار بالإنشاء أو الوصف، فلا تغفل» منه (قدس سره).
[١]. تقدّمتا في الصفحة ٧٦.
[٢]. منهم: الشيخ البهائي في الحبل المتين (المطبوع ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): ٣٦، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد، ١: ٩٢، و نسب نفي الوجوب إلى أكثر الأصحاب، و السيّد في مدارك الأحكام ١: ٢٤١، (ضمن هذا الموضوع و في ردّ الاستدلال بالآية).
[٣]. انظر: التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) ٢٩: ٤٣١.