مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٢٧٨ - الأقوال في المسألة
المفيد (رحمه الله) أنّه قال في كتاب أُصول الفقه: «إنّ أكثر المتفقّهة إنّما أوجبوا تكرار الغسل بتكرار الجنابة و تكرار الحدّ بتكرار الزنا؛ لما ذهبوا إليه من كون الجنابة علّة للغسل، و الزنا علّة في الحدّ» [١]، فإنّه يشعر بأنّ القول بالعلّيّة مذهب المخالف، و ليس قولًا للأصحاب.
ثمّ حكى عن السيّد في مسائل الخلاف [٢] أنّه نقل عن بعض الأصحاب في مسألة الجريدة أنّه قال في جملة كلام له في دفع الاستبعاد عن التعبّد بها: «إنّ الذي تعبّدنا بغسل الميّت و تكفينه هو الذي تعبّدنا بوضع الجريدة معه، و إلّا فلأيّ معنى أوجب اللّٰه تعالى غسل الميّت و قد مات و سقط عنه التكليف [٣]، و الطهارة إنّما تجب لأداء الفرائض، قال السيّد (رحمه الله): و هذا كلام سديد في موضعه» [٤].
قال ابن إدريس: «أ لا ترى أنّ السيّد (رحمه الله) أورد هذا الكلام [عن أصحابه] [٥] إيراد راضٍ به، متعجّب منه. و المقصود بقوله: و الطهارة إنّما تجب لأداء الفرائض، و غسل الجنابة طهارة بلا خلاف، فلا يجب إلّا لذلك» [٦].
و لا ريب أنّ كلام السيّد هنا أدلّ على تعيين مذهبه ممّا قاله في الذريعة؛ فإنّ العلّة في الشرعيّات لا تقتضي امتناع تخلّف المعلول، و العلّة و السبب و الموجب ألفاظ متقاربة في المعنى، و قد اتّفق الجميع على إطلاق الأسباب و الموجبات على الأحداث، مع تخلّف الطهارة عنها في غير الجنابة، و تحاشي القدماء عن لفظ العلّة لكثرة دورانه بين أصحاب القياس، و إلّا فهي كالموجب و السبب، على أنّ الذي أثبته السيّد هو العلّة المقتضية للتكرار، و هي غير العلّة التي لا يتخلّف عنها المعلول في الزمان.
[١]. كتاب أصول الفقه، للشيخ المفيد من المفقودات. فإنّا لم نجد هذه العبارة أيضاً في مختصره المسمّاة باسم: التذكرة بأُصول الفقه (المطبوع ضمن مصنّفات الشيخ المفيد). نعم، نقلها عنه ابن إدريس في السرائر ١: ١٣٣.
[٢]. هذا الكتاب من المفقودات.
[٣]. في المصدر: سقطت الفرائض عنه.
[٤]. السرائر ١: ١٣٤.
[٥]. ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
[٦]. السرائر ١: ١٣٤، مع تفاوت يسير.