تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٧ - وسط وسط
في الفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَلاماً شَامِلاً لِما ذَكَرُوهُ و هو: السَّاكِنُ مُتَحَرِّكٌ، و المُتَحَرِّكُ ساكِنٌ، و ما فَصَّلْناه مُدْرَجٌ تَحْتَ هََذا الكامِنِ. و قال الصَّفَدِيُّ في تارِيخه: أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ جَمَالُ الدّين يوسُفُ ابنُ محمد العُقَيْلِيِّ السُّرَّمَرِّيُّ لِنَفْسِهِ:
فَرْقُ مَا بَيْنَهُمْ وَسَطَ الشّيْءِ [١] # وَ وَسْطَ تَحْرِيكاً أَوْ تَسْكِيناً
مَوْضِعٌ صَالِحٌ لِبَيْنَ فَسَكِّنْ # و لِفِي حَرِّكَنْ تَرَاهُ مُبِيناً
كجَلَسْتُ وَسْطَ الجَمَاعَةِ إِذْ هُمْ # وَسَطَ الدّارَ كُلُّهُم جالِسينَا
و اللََّه أَعْلَم و بِهِ نَسْتَعِينُ.
و يُقَالُ: صارَ الماءُ وَسِيطَةً : إِذَا غَلَبَ عَلَى الطِّينِ ، كَذَا في الأُصُولِ، و الَّذِي حَكَاهُ اللِّحْيَانِيُّ عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، أَي غَلَبَ الطِّينُ على الماءِ.
و الوُسْطَى من الأَصَابعِ: م ، أَيْ مَعْرُوفَةٌ نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ.
و الصَّلاةُ الوُسْطَى المَذْكُورَة في التَّنْزِيل العَزِيز و هو قَولُه تَعالَى: حََافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوََاتِ وَ اَلصَّلاََةِ اَلْوُسْطىََ [٢] لأَنَّها وَسَطٌ بَيْنَ صَلاَتيِ اللَّيْلِ و النَّهَارِ. و لِهََذَا المَعْنَى وَقَعَ الاخْتِلافُ في تَعْيِينِهَا، ١- فَقِيلَ : إِنّهَا الصُّبْحُ ، و هُوَ قَوْلُ علِيِّ بنِ أَبِي طالِبٍ، في رِوَايَةٍ عنه، و ابْنِ عَبْاسٍ «أَخْرَجَهُ في المُوَطَّإِ بَلاغاً» [٣] . و أَخْرَجَهُ التِّرْمِذيُّ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ و ابْنِ عُمَرَ تَعْلِيقاً [٤] . و رُوِيَ عن جابِرٍ و ابن مُوسَى و جَمَاعَةٍ من التَّابِعِينَ. و إِلَيْه مَيْلُ الإِمامُ مالِك، و صَحَّحَه جَماعةٌ من أَصْحابِهِ، و إِلَيْه مَيْلُ الشافِعيِّ فِيما ذَكَرَ عنه القُشَيْرِيُّ، أَو الظُّهْرُ ، و هوَ قَوْلُ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ، و أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، و عَبْدِ اللَّه بنِ عُمَرَ، و عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ، ١- أَو العَصْرُ ، و هُوَ قَوْلُ عليِّ بن أَبِي طالِبٍ في رِوَايَةٍ. و ابْنِ عَبّاسٍ، و ابنِ عُمَرَ، في رِوَايَةٍ عَنْهُمَا و أَبِي هُرَيْرَةَ، و أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، و أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ و عائِشَةَ، و حَفْصَةَ، و أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُم، و جَمَاعَةٍ من التّابِعِينَ مِنْهُم الحَسَنُ البَصْرِيُّ، و هو اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ و أَصْحَابِهِ، و قَالَهُ الشافِعِيُّ و أَكْثَرُ أَهْلِ الأَثَرِ، و هُوَ رِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ و صَحَّحَه عَبْدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ، و اخْتَارَهُ ابنُ العَرَبِيِّ في قَبَسِهِ، و ابنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ، و صَحَّحَهُ الصّاغَانِيُّ في العُبَابِ، أَو المَغْرِبُ ، قالَه قَبِيصَةُ بنُ ذُؤَيْب و مَكْحُولٌ، أَو العِشَاءُ حَكاهُ أَبُو عُمَرَ بنُ عَبدِ البَرِّ عن جَماعَةٍ، أَو الوِتْر ، نَقَلَه الحافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ، و اختاره السَّخاوِيُّ المقرىءُ، أَو الفِطْرُ ، نَقَلَهُ الحافِظُ الدِّمْياطِيُّ، أَو الأضْحى ، نقله الحافظ الدمياطي، أَو الضُّحَى حَكاه بَعْضُهُم و تَرَدَّد فِيهِ، أَو الجَمَاعَةَ نَقَلَهُ الحافِظُ الدّمْيَاطِيُّ، أَو جَمِيعُ الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ و هُوَ قَولُ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ، أَو الصُّبْحُ و العَصْرُ مَعاً ، قَالَهُ أَبو بَكْرٍ الأَبْهَرِيُ [٥] .
أَوْ صَلاةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَة ، و هُوَ قَوْلُ نافِعٍ و الرَّبِيعِ بن خُثَيْمٍ [٦] ، أَو العِشَاءُ و الصُّبْحُ مَعاً ، رُوِيَ ذََلِكَ عَنْ عُمَرَ، و عُثْمانَ، أَو صَلاَةُ الخَوْفِ ، نَقَلَهُ الحَافِظُ الدّمْيَاطِيُّ، ١- أَو الجُمْعَةُ في يَوْمِها، و في سائِرِ الأَيّامِ الظُّهْرُ ، رُوِيَ ذََلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، نَقَلَهُ ابنُ حَبِيب أَو المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الطُّولِ و القِصَرِ ، و هََذا القَوْلُ قَدْ رَدَّهُ أَبُو حَيَّانَ في البَحْرِ، أَوْ كُلُّ مِنَ الخَمْسِ لِأَنَّ قَبْلَهَا صَلاتَيْنِ و بَعْدَهَا صَلاتَيْن .
قال شَيْخُنا: و حَاصِلُ ما عُدَّ مِنَ الأَقْوَال تِسْعَةَ عَشَر قَوْلاً، و المَسْأَلَةُ خَصَّها أَقْوَامٌ من المُحَدِّثِينَ و الفُقَهاءِ و غَيْرِهِمْ بالتَّصْنِيفِ، و اتَّسَعَتْ فيها الأَقْوَالُ و زادَتْ على أَرْبَعِينَ قَوْلاً، فما هََذَا الَّذِي ذَكَرَهُ وَافِياً و لا بالنِّصْفِ مِنْهَا، مع أَنَّهُمْ عَزَوا الأَقْوَال لِأَرْبابِهَا، و اعْتَنَوْا بِفَتْحِ بابِها. و صَحَّحَ أَرْبَابُ التَّحْقِيقِ أَنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، كلَيْلَةِ القَدْرِ، و الاسْمِ الأَعْظَم، و ساعَةِ الجُمُعَةِ و نَحْوِها، مِمّا قُصِدَ بإِبهامِها الحَثُّ و الحَضُّ و الاعْتِنَاءُ بِتَحْصِيلها، لِئَلاّ يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنْ أَنْظَارِهَا. و أَنْشَدَ شَيْخُنَا الإِمامُ أَبو عَبْدِ اللََّه مُحمَّدُ بنُ المسناويِّ رَضِيَ اللََّه عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ:
و أُخْفِيَتِ الوُسْطَى كساعَةِ جُمْعَةٍ # كَذَا أَعْظَمُ الأَسْمَاءِ مَعْ لَيْلَةِ القَدْرِ
و لَمْ يَلْتَفِتِ العارفُونَ المُتَوَجِّهُونَ إِلَى اللََّه تَعَالَى إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذََلِكَ، و أَخَذُوا في الجِدِّ و الاجْتِهادِ، نَفَعَنا اللََّه بِهِمْ.
[١] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله:
فرق ما بينهم وسط الشيء
هكذا في النسخ، و هذا الشطر غير موزون» .
[٢] سورة البقرة الآية ٢٣٨.
[٣] أي قال مالك في الموطأ أنه بلغه عنهما.
[٤] التعليق يعني رواية الحديث من غير سند.
[٥] احتج بقوله ص: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل و ملائكة بالنهار» الحديث، رواه أبو هريرة. نقله القرطبي.
[٦] في تفسير القرطبي: خيثم.