تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٥٢ - خيط خيط
الوَاوِيُّ من اليائِيِّ، و القَولُ هو الأَوَّلُ؛ لأَنَّ الوَاوَ مَزِيدَةٌ للبِنَاءِ، فلا يَنْبَغِي لها أَنْ تُحْذَف، و الأَصْلِيُّ أَحقُّ بالحَذْفِ لاجْتِماعِ سَاكِنَيْنِ، أَو عِلَّةٍ تُوجِبُ أَنْ يُحْذَف حَرْفٌ. كذََلِكَ القَوْلُ في كُلِّ مَفْعُولٍ من ذَوَاتِ الثّلاثَةِ إِذا كانَ من بَنَاتِ الياءِ فإِنَّهُ يَجِيءُ بالنُّقْصَانِ و التَّمَام. فأَمَّا مِن بَنَاتِ الوَاوِ فلم يَجِئْ على التَّمَامِ إِلا حَرْفَانِ: مِسْكٌ مَدْوُوف، و ثَوبٌ مَصْوُون، فإِنّ هََذيْن جاءَا نادِرَيْنِ، و في النَّحْوِيِّين من يَقِيسُ على ذََلِكَ فيَقُول: قولٌ مَقْوُولٌ، و فرسٌ مَقْوُودٌ، قِياساً مُطَّرِداً.
و من المَجَازِ: أَخَذَ اللَّيْلُ في طَيِّ الرَّيْط، و تَبَيَّنَ الخَيْطُ مِنَ الخَيْط ، يُعنَى بهمَا الخَيْط الأَبْيَض و الخَيْط الأَسْوَد ، و في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ: حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ [١] و هُمَا بَيَاضُ الصُّبْحِ و سَوَادُ اللَّيْلِ . على التَّشْبِيه بالخَيْطِ لدِقَّتِه. ١٦- و في حديث عَدِيِّ بنَ حاتِمٍ : «إِنَّك لعَرِيضُ القَفَا، ليس المعَنى ذََلِكَ، و لََكِنَّه بَيَاضُ الفَجْرِ من سَوادِ اللَّيْلِ» . و في النِّهَايَةِ: و لََكِنَّهُ يُرِيد بَيَاضَ النَّهَارِ و ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، و قال أُمَيَّةُ بنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الخَيْطُ الَأبْيَضُ ضَوْء الصُّبْحِ مُنْفَلِقٌ # و الخَيْطُ الاَسْوَدُ لَوْنُ اللَّيْلِ مَرْكُومُ
و في الصّحَاحِ: الخَيْطُ الأَسْوَدُ: الفَجْرُ المُسْتَطِيل، و يُقَال: سَوَادُ اللَّيْل، و الخَيْط الأَبْيضُ: الفَجْرُ المُعْتَرِض، قال أَبو دُوَادٍ الإِيادِيُّ:
فلمَّا أَضاءَتْ لنا سُدْفَةٌ # و لاَحَ مِن الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنارَا
قال أَبُو إِسْحَاقَ: هُمَا فَجْرَانِ، أَحَدُهما يَبْدُو أَسْوَدَ مُعْتَرِضاً، و هو الخَيْطُ الأَسْوَدُ، و الآخَرُ يَبْدُو طَالِعاً مُسْتَطِيلاً يَمْلأ الأُفُق، و هو [٢] الخَيْطُ الأَبْيَضُ، و حَقيقتُه: حَتَّى يَتَبَيَّن لكُم اللَّيْلُ من النَّهَارِ. و قيل: الخَيْطُ في البَيْتِ: اللَّوْنُ [٣] ، قال أَبو عُبَيْد: و يَدُلُّ له ١٤- تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صلى اللّه عليه و سلّم إِيّاهُما بقوله : «إِنَّمَا هو سَوَادُ اللَّيْلِ و بَيَاضُ النَّهَارِ» . قلتُ: و كذا يَشْهَد له قولُ أُمَيَّةَ السَّابِقُ.
و من المَجَاز: خَيَّطَ الشَّيْبُ رَأْسَه، و في رَأْسِهِ و لِحْيَتِه تَخْيِيطاً ، إِذا بَدَا فيه و ظَهَر طَرَائِقَ، مثلُ وَخَطَ أَو: صَارَ كالخُيُوطِ . و في الأَسَاس: هو مثلُ نَوَّرَ الشَّجَرُ و وَرَّدَ، فتَخَيَّطَ رَأْسُه بالشَّيْبِ ، قال بِدْرُ بنُ عامِرٍ الهُذَلِيّ:
تَاللََّهِ لا أَنْسَى مَنِيحَةَ وَاحِدٍ # حَتَّى تَخَيَّطَ بالبَيَاضِ قُرُونِي [٤]
هََكَذَا في اللِّسَانِ. قلتُ: الرِّوَايَة:
«أَقْسَمْت لا أَنْسَى» ..
، و يُرْوَى: تَوَخَّطَ. و القُرُونُ: جَوَانِبُ الرَّأْسِ، و مَنِيحَة وَاحِدٍ، يريد مَنِيحَة رَجُلٍ، و في العُبَابِ: يَعْنِي به أَبا العِيَالِ الهُذَلِيَّ. و قال ابنُ بَرِّيّ: قال ابنُ حَبِيب: إِذا اتَّصَل الشَّيْبُ في الرَّأْسِ فقد خَيَّطَ الرَّأْسَ الشَّيْبُ، فجَعَل خَيَّطَ مُتَعَدِّياً قال: فتَكُونُ الرِّوَايَةُ على هََذا:
حتى تُخَيَّطَ بالبَيَاضِ قُرُونِي [٥]
و جُعِلَ البَيَاضُ فيها كأَنَّهُ شَيْءٌ خِيطَ بَعضُه إِلى بَعْضٍ، قال: و أَمّا من قال خَيَّطَ في رَأْسِهِ الشَّيْبُ، بمعنَى: بَدَا، فإِنَّه يُريدُ تُخَيِّطَ بكسرِ الياءِ أَي خَيَّطَتْ قُرُونِي و هي تُخَيِّط ، و المَعْنَى: أَن الشَّيْبَ صارَ في السَّوادِ كالخُيُوطِ و لم يَتَّصِلْ؛ لأَنَّه لو اتَّصَلَ لكانَ نَسْجاً. قال: و قد رُوِيَ البَيْتُ بالوَجْهَيْنِ، أَعْنِي تُخَيَّط ، بفَتْحِ الياءِ، و تُخَيِّط ، بكسرها، و الخَاءُ مفتوحةٌ في الوَجهين.
و قال ابنُ عَبّادٍ: خَيْطُ بَاطِلٍ: الهَوَاءُ ، يُقَال: أَرَقُّ من خَيْطِ بَاطِلٍ، هََكَذا نَقَلَه الصّاغَانِيُّ، و هو مَجَازٌ، قال و أَنْشَدَ ابنُ فارِسٍ:
غَدَرْتُمْ بعَمْرٍو يَا بَنِي خَيْطِ بَاطِلٍ # و مِثْلُكُمُ يَبْنِي البُيُوتَ على عَمْرِو
قلت: و هََذا الَّذِي نَقَلَه الصّاغَانِيُّ عن ابن عَبّادٍ تَصْحيفٌ، و الَّذِي نَقَلَه الأَزْهَرِيُّ و غيره عن أَحْمَدَ بنِ يَحْيَى يُقَال: فُلانٌ أَدَقُّ من خَيْطِ الباطلِ [٦] ، قال: و خَيْطُ البَاطِلِ هو الهَبَاءُ المَنْثُور الَّذِي يَدْخُلُ من الكُوَّةِ عند حَمْيِ الشَّمْسِ، يُضْرَب مَثَلاً لِمَنْ يَهُون أَمْرُه. أَو ضَوْءُ يَدْخُلُ من
[١] سورة البقرة الآية ١٨٧.
[٢] في التهذيب: «فهو» .
[٣] و هو قول أبي طالب كما في التهذيب.
[٤] ديوان الهذليين ٢/٢٦٠ و روايته «أقسمت لا أنسى» و عجزه في التهذيب و نسبه لأبي كبير.
[٥] و هي رواية ابن دريد كما في ديوان الهذليين.
[٦] في الأساس: خيطٍ باطلٍ. و فيها أنه الهباء المنبثّ في الشمس.