المستند في شرح العروة الوثقى - ط دار المؤرخ العربي - البروجردي، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢١٥
الحصبة في قبال اللغة، ولا أقل من السقوط بالمعارضة، هذا أولاً.
وثانياً:
مع الغض فما هو المراد من النفر في هذه الطائفة؟ فإن أريد به النفر
المطلق، بحيث لا يبقى أحد المنطبق على اليوم الثالث عشر كما فسره بذلك
جماعة من الفقهاء فيجري فيه ما تقدم في الطائفة الثانية أعني صحيحتي معاوية
ورفاعة من أنّ دلالتها في محل الكلام إنما هي بالإطلاق، وهو معارض بمثله
غايته أنّ أحدهما بدلي والآخر شمولي، فلاحظ ولا نعيد.
وإن أريد به مطلق
النفر المنطبق على اليوم الثاني عشر وهو يوم النفر الأول وإن لم نعثر على
قائل به إذ الظاهر أنّ مراد الجماعة إنما هو اليوم الثالث عشر كما عرفت
فالمعارضة حينئذٍ بين هذه الطائفة وبين ما تضمن المنع عن صوم الثلاثة في
أيام التشريق واضحة بمثابة لا تقبل التقييد، ضرورة عدم السبيل لإخراج
الأثنين عن تحت الثلاثة بحيث لا يراد منها إلا يوم واحد، فإنّه من البشاعة
بمكان أو فقل من التخصيص بالأكثر المستهجن، فلا جرم تتعارضان ويكون المرجع
بعد التساقط عمومات الفوق الناهية عن مطلق الصيام أيام التشريق كما تقدم.
أضف
إلى ذلك كله جواز أن يكون المراد من يوم النفر في هذه الأخبار هو يوم
الحصبة بالمعنى الذي عرفت، أعني اليوم الرابع عشر كما تكشف عنه بوضوح صحيحة
أبي بصير[١]، حيث إنّ مضي أيام الذبح المذكور فيها مساوق لحدوث اليوم الرابع عشر وقد أطلق عليه فيها يوم النفر فتدبر[٢].
فتحصل: أنّ المتعين لزوم تأخير صيام هذه الأيام إلى الرجوع من منى،
والأحوط أن يبادر إلى الصوم بعد رجوعه من منى[١]، ولا يؤخّره من دون عذر، وإذا لم يتمكن بعد الرجوع من منى صام في الطريق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن رجع يوم الثاني عشر ساغ له أن يصوم يوم
[١] وسائل الشيعة: باب ٤٤ من أبواب الذبح، ح٣.
[٢] وجهه اختلاف الروايات في المرادمن يوم الذبح، ففي صحيحة محمد بن مسلم:الأضحىيومان بعد النحر، ونحوها صحيحة منصور (وسائل الشيعة: باب ٦ من أبواب الذبح ح٧ وح٥)، وبإزائها موثقة عمار أنّها أربعة (أي مع يوم العيد)، ومع هذا الاختلافوالمعارضة كيف يصحّ الاستدلال بها للمقام، وإن كان الأستاذ (دام ظله) معجباً به. (المقرر).
٢١٦الثالث عشر، وإن رجع فيه صام يوم الرابع عشر حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.
[١] فقد نسب كاشف اللثام إلى أكثر الأصحاب وجوب البدار بعد أيام التشريق، وإن أنكر عليه في الجواهر بشهادة التتبع بخلافه، وأنّ ذلك غير ظاهر في غير عبارة الجامع المحكية عنه[١].
وكيفما كان فالمطلقات وإن كانت غير دالة على الفور إلا أنّ النصوص الخاصة المتضمنة للصوم بعد أيام التشريق أو يوم الحصبة ظاهرة فيه، ولكنها محمولة على الاستحباب بقرينة صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: ((من لم يجد ثمن الهدي فأحبّ أن يصوم الثلاثة الأيام في العشر الأواخر فلا بأس بذلك))[٢].
(تنبيه):
هل يتعين بعد الرجوع من منى صيام الثلاثة أيام في مكّة المعظّمة بخصوصها أو أنّ له إيقاعها في غيرها أيضاً كالطائف ونحوه حتى اختياراً ومن دون عذر.
لم أجد عاجلاً تعرضاً لهذا الفرع في كلمات القوم، نعم صرح شيخنا الأستاذ قدس سره في مناسكه بالإطلاق[٣].
[١] جواهر الكلام: ج١٩ ص ١٧٨.
[٢] وسائل الشيعة: باب ٤٦ من أبواب الذبح، ح١٣.
[٣] دليل الناسك: ص٢٠٢ (المتن).