شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٦٢
إلا أنه ذهب بعض الحكماء إلى إنه لا يجوز أن تكون معطلة عن الإدراك فلا بد أن تتعلق بأجسام أخر لما أنها لا تدرك إلا بالآلات الجسمانية و لم تنقطع علاقتهم عن الأجسام و حينئذ أما أن تصير مبادئ صور لها و تكون نفوسا لها سواء كان في نشأة أخروية كما يقول أهل الشريعة الحقة، أو في هذه النشأة الدنياوية يقوله أهل التناسخ.
و أما أن لا تصير كذلك، و هذا هو الذي مال إليه الشيخان أبو نصر و أبو علي من أنها تتعلق بأجرام سماوية لا على أن تكون نفوسا لها مدبرة لأمورها بل على أن تستعملها لإمكان التخيّل، ثم تتخيّل الصور التي كانت منعقدة عندها و في وهمها فيشاهد الخيرات الأخروية على حسب ما تخيلتها.
قال بعضهم: و يجوز أن يكون الجرم الذي تتعلق هي به متولدا من الهواء و الأدخنة غير منخرق، فيحصل لهم به سعادة وهمية، و كذلك لبعض الأشقياء شقاوة وهمية.
قال صاحب «التلويحات»: لا أصل له، إذ ما هو في الهواء لا يبقى فيه اعتدال و إن قرب من النار فتحيله بسرعة إلى جوهرها، و إن كان دونه في الهواء فأما أن يتحلل بحرّ أو يتكاثف فينزل ببرد، و ليس فيه جرم يغلب عليه اليبس فيحفظ عن التبدّد و يمتنع غيره عن ممازجته و يتعين فيه محل التخيل متشكلا، به و لا بد من جوهر يابس ليحفظ فيه الصور و رطب ليقبل و ليكن.
هذا آخر ما تيسر لنا في شرح هذا الكتاب مستعينين بملهم الصواب عند تلاطم أمواج الهموم و تراكم أفواج الغموم و خلو الديار عمن يعرف قدر غوامض الأسرار و علوم الأبرار سيما في هذا الزمان الذي انطفأت فيه أنوار الحكمة، و انطمست فيه أسرار المعرفة. و قد ابتلينا بجماعة يرون التعمّق في الأمور الإلهية بدعة، و مخالفة أوضاع جماهير الخلق ضلالة. هذا مع ما اعترانا من العجز و القصور و انتساب معظم القوى إلى الخلل و الفتور، و الملتمس ممّن جبلت طبيعته على الإنصاف و اجتنبت بحسب الغريزة عن الجور و الاعتساف أن ينظر فيه بعين الإنصاف و إصلاح الفساد و سدّ الخلل بعد التأمّل و الاستكشاف. و أنه إذا عثر مني على سهوان يسرني بذيل تجاوز، و عفو فاتني للخطأ المعترف و بالقصور و العجز المعترف، و ذلك لقلة البضاعة و قصور الباع في الصناعة. و مع هذا فقد جاء هذا الشرح بحمد اللّه كلاما لا عوج فيه و لا اضطراب و لا ارتياب يعتريه، قريبا من الأفهام في نهاية علوه، رفيعا عاليا في المقام