شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٠١
واحد من القسمين المذكورين أولا من أفراد الخير لأن ترك أحدهما شر محض و ترك الآخر شر غالب، فيجب صدورهما عن الواجب بالذات مفيض الخيرات.
مثال القسم الأول: عالم العقول و عالم الأفلاك إذ هما مبرّئان من الشرور و الفساد الناشئان من نسخ التضاد. و مثال القسم الأخر: عالم العناصر الموجب للشرور على الوجه النادر. و لن يسوغ عناية المبدع و رحمة الجواد إهماله و إلا لزم ترك خير كثير بشر قليل و ذلك شر كثير كما عرفت و ذلك أيضا إنما يكون لأجل النفع في أشياء أخر لو لم يخلق لخلق سربال الوجود و قصر رداء الجود و بقي في كتم العدم عوالم كثيرة و مقايس جمة غفيرة. فمن هذه الحيثية يكون ذلك الشر القليل مقتضيا بالذات، كيف و لو لم يكن في عالم العناصر تضاد و لا تفاسد، فمن أين يحصل الفعل و الانفعال و الكسر و الانكسار؟ و متى ينتقل الهيولى من صورة إلى صورة و من حالة إلى حالة حتى يبلغ إلى غاية من الاستعداد؟ و تقبل العقل المستفاد الذي يضاهي الملكوت الأعلى في الشرف و الكمال و الإحاطة بالمعلومات و التخلص عن الزوال مع أن أمثال هذه الوقائع و الآفات اللازمة في الطبائع من مصادمات وقعت بين سكان عالم الظلمات دون الالتفات إليها من المبادي العالية و المفارقات و وجود كل من الجزئيات منوطة بسلسلة من الأسباب يلزم من عدمه عدمها و هو أعظم خلل في نظام الخير.
فإن وجد نوع يفسد بعض أشخاص نوع آخر فانما يعدّه شرا من يظن أن العالم الأعلى و عظائم الأمور ما خلق إلا لأجل الإنسان، و هذا جهل محض، كيف و لا غرض للعالي في السافل و لا التفات له إليه؟ خلقت هؤلاء للجنة و لا أبالي و هؤلاء للنار و لا أبالي. و ليس أن الباري مستقل الذات كما توهمته الأشعرية بإيجاد القبائح و المفاسد و تمكين الظلمة و المشركين في أفعالهم و عقائدهم، و إبقاء الدول الجائرة و نشر السياسات المذمومة، و إهمال الأطفال عن حضانة مرضعاتهم بإماتتها، و إذلال العلماء و رفعة حال الجهّال إلى غير ذلك من الوقائع. و قد قال عزّ من قائل: وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [١] بل الكل توابع لقضائه و قدره و لوازم مفاده لحركات كلية لأغراض علوية مقدرة بهيئاتها و أزمنتها في عالم آخر. كما قال اللّه تعالى: وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [٢]، وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) [٣]. على إن جميع أسباب
[١] سورة فصلت، الآية: ٤٦.
[٢] سورة الرعد، الآية: ١٢.
[٣] سورة الحجر، الآية: ١٥.