شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٩
المرتبة، فقال: النفوس الناطقة التي لم تكتسب العلم بحقائق الأشياء و الشرف بالتجرد عن العالم الأدنى إذا فارقت البدن غير مشتاقة إلى الكمال و لا مكتسبة شوقا إلى تحصيله بالبرهان، لعدم حدوث رأي فيها و كانت خالية عن ما يؤلمها من الهيئات البدنية و الأخلاق الرديّة حصل لها النجاة من العذاب و الخلاص من الألم. لخلوصها من ألم الشوق و عذاب الهيئة المضادة للكمال، فلها حالة خالية عن اللذة و الألم و الحق إن لها لذة ضعيفة كما مال إليه الشيخ في «الشفاء»، لأن الرحمة واسعة ينالها كل شيء ما لم يوجد فيه هيئة منافية للرحمة، فكانت البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة تبرأ- أي ناقصة- أي التفطن الذي يحصل منه بمجرد الشوق دون أن يبعث صاحبها تحصيل الكمال. و أما إذا لم تكن خالية عن الهيئات البدنية الرديئة و ليس عندها هيئة غير ذلك و لا معنى من المعاني العلمية، فيتألم بفقدان البدن و مقتضياته.
لأن خلق التعلق بالبدن و مشتهيات قواه باقية من دون حصول المشتاق إليه لفقد آلات تحصيله و يبقى في كدر الهيولى مقيدة بسلاسل العلائق البدنية، مغلولة بأغلال الهيئات الرديئة، فيكون في غصة و عذاب أليم كأكثر الفجرة و الفسقة، و لكنهم لعدم جحودهم و إنكارهم للحق ليس عذابهم دائما بل يزول بزوال تلك الهيئات شيئا فشيئا، و لا بأس بأن نفصّل حال الناس و نقسّمها في ما لهم تقسيما أقرب إلى الأفهام من الذي ذكره المصنّف لاشتماله على بعض الرموز القرآنية فنقول:
إن الناس بحسب العاقبة على سبعة أقسام لأنهم إما سعداء: و هم أصحاب اليمين، و إما أشقياء: و هم أصحاب الشمال، و إما السابقون: المقرّبون، قال اللّه تعالى: وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) [١] الآية، و أصحاب الشمال. أما المطرودون الذين حق عليهم القول في القضاء السابق و هم أهل الظلمة و الحجاب الكلي المختوم على قلوبهم أزلا كما قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [٢] الآية. و في الحديث الإلهي الرباني: «هؤلاء خلقوا للنار» و لا أبالي. و أما المنافقون الذين كانوا مستعدين بحسب الفطرة قابلين للنور في أصل النشأة، لكن احتجبت قلوبهم بالرين المستفاد من انتساب الرذائل و ارتكاب المعاصي
[١] سورة الواقعة، الآية: ٧.
[٢] سورة الأعراف، الآية: ١٧٩.