شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ١٢٤
لا يوجد أصلا و إن أبى لذاته أن يعدم بعد كونه موجودا و أما ظن من زعم كون الزمان جوهرا قائما بنفسه مفارقا عن المادة المنسوب إلى أفلاطون الإلهي و شيعته من الأقدمين فمبناه التحرز عن مضايق الشبه الواردة على مذهب المعلم الأول من كون الزمان مقدارا للحركة. و قالوا: لا يقع في بحث ذات الزمان تغير أصلا ما لم يعتبر نسبته إلى المتغيرات فما لم يقع فيه شيء من الحركات و التغيرات لم يكن فيه إلا الدوام و الاستمرار و إن وقع فيها شيء منها حصلت لها قبليات و بعديات لها [لا] من جهة التغير في ذات الزمان و المدة، بل إنما هي من قبل تلك المتغيرات. و استصوب ذلك الرأي الإمام حيث قال في «شرح عيون الحكمة»: إن الناصرين لمذهب أرسطاطاليس في أن الزمان مقدار الحركة لا يمكنهم التوغل في شيء من مضايق المباحث المتعلقة بالزمان إلا بالرجوع إلى مذهب الإمام أفلاطون و الأقرب عندي في الزمان و في المدة هو مذهب أفلاطون و هو أنه موجود قائم بنفسه مستقل بذاته فإن اعتبرنا نسبة ذاته إلى ذوات الموجودات الدائمة المنزّهة عن التغير سمي بالسرمد من هذا الاعتبار و إن اعتبرنا نسبة ذاته إلى ما قبل حصول الحركات و التغيرات فذلك هو الدهر الداهر، و إن اعتبرنا نسبة ذاته إلى كون المتغيرات مقارنة معه فذلك هو الزمان.
و قال أيضا: و أما مذهب أفلاطون فهو إلى المعالم البرهانية الحقيقة أقرب و عن ظلمات الشبهات أبعد، و مع ذلك فالعلم التام ليس إلا عند اللّه تعالى.
و الجواب: إن هذا الظن ينفسخ مما سيأتي عن تحقيق ماهية الزمان و أنها مقدار لما هو ذو تقدم و تأخر في ذاته لا يوجد المتقدم منه مع المتأخر بحسب الذات و مهيته يتعلق بأمر متغير لذاته بعضه فائت و بعضه لاحق و مثل هذا الأمر الذي وجوده على سبيل حدوث أمر فأمر لا يكون إلا مادّيا فالزمان متعلق بالمادة بتوسط الحركة فلا يكون مفارقا، كيف و لو لم يكن الزمان متقضيا سيالا في ذاته لكان الشيء الذي حدث الآن فهو قد حدث في زمن الطوفان و حينئذ لا يكون بين الأشياء تقدم و تأخر و هو مما يدفعه الحس، و بالجملة لو لم يكن في الموجودات شيء يكون متقدما و متأخرا بالذات لا يوجد التقدم و التأخر في شيء من الأشياء بالعرض و ذلك الشيء هو المسمى بالزمان و إذا كان الزمان متقضيا متجددا لذاته استحال أن يتعلق وجوده بالمفارقات عن المادة إذ لا تجدد و لا سنوح في عالم القدس فضلا عن أن يكون هو بنفسه جوهرا قائما بذاته مفارقا عن المادة و وهم من جعل الزمان جسما هو الفلك الأعظم لزعمه أن