شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٢
أي إثبات علمه تعالى على قاعدة الإشراق- مبناها على أن علمه تعالى بذاته هو كونه نورا لذاته، و علمه بالأشياء الصادرة عنه هو كونها ظاهرة له إما بذواتها كالجواهر و الأعراض الخارجية، أو بمتعلقاتها التي هي مواضع الشعور للأشياء الإدراكية، مستمرة كانت كما في المدبرات العلوية الفلكية عقولها أو نفوسها أو غير مستمرة كما في القوى الحيوانية النطقية و الخيالية و الحسية. فعلمه تعالى محض إضافة إشراقية عنده، فواجب الوجود مستغن في علمه بالأشياء عن الصورة، و له الإشراق و التسلّط المطلق فلا يحجبه شيء عن شيء، و علمه و بصره واحد و علمه يرجع إلى بصره لا إن بصره يرجع إلى علمه كما في غير هذه القاعدة. و نوريته نفس قدرته، فإن النور فيّاض لذاته. بمعنى أن علمه بالأشياء نفس إيجاده لها كما أن وجود الأشياء عنه نفس حضورها لديه، فله إضافة الفعالية إلى جميع الأشياء فقط بها يصحح جميع الإضافات كالعالمية و غيرها إذ هي عينها في التحقق فهذا مذهبه في علم اللّه و بيانه على ما جرى بينه و بين إمام المشائين في الخلسة الملكوتية إنما يتأتى بأن يبحث الإنسان أولا في علمه بقواه و آلاته ثم يرتقي إلى علم ما هو أشد تجردا بذاته و بالأشياء الصادرة عن ذاته فيعلم من ذلك أن علم المبدأ الأعلى ليس بالصورة مطلقا بل بالمشاهدة الحضورية و الإشراق الحضوري، إذ قد تحقق أن النفس غير غائبة عن ذاتها و إدراكها لذاتها لا يزيد على ذاتها و إلا لم تشر إلى ذاتها بأنها إذ كل صورة زائدة عليها و إن كانت قائمة بها فهي بالنسبة إليها هو لا انا. و أيضا لم يكن إدراكها لذاتها على الوجه الجزئي إذ كل صورة ذهنية و لو تخصصت بمجموع كليات فهي لا يمتنع لذاتها الكلية و المطابقة للكثرة. ثم إن إدراك النفس لبدنها و وهمها و خيالها إنما يكون بنفس هذه الأشياء لا بصورة زائدة عليها مرتسمة في النفس، لأن الصور المرتسمة فيها كلية فيلزم أن تكون النفس محركة لبدن كلي و مستعملة لقوى كلية و ليس لها إدراك بدنها الخاص و قوتها الخاصة و هو ليس بصحيح، فإنه ما من إنسان إلا و يدرك بدنه الجزئي و قواه الجزئية، و النفس تستخدم المفكرة في تفصيل الصور الجزئية و تركيبها حتى تنتزع الطبائع من الشخصيات و تستنبط النتائج من المقدمات. و حيث لم يكن للقوة الجرمية سبيل إلى مشاهدة ذاتها لعدم حضورها عند نفسها إذ وجودها في نفسها، هو وجودها لمحلها لا لنفسها، كيف و الوهم ينكر نفسه و ينكر القوى الباطنة؟ و إن لم يجد آثارها، فإذا لم يكن للوهم الذي هو رئيس سائر القوى الجزئية سبيل إلى إدراك نفسه و إدراك القوى الباطنة، فكذلك حال سائر المدارك الجزئية. فالمدرك للقوى الخادمة و الجزئيات