شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٥
الأول، و قد وقع الفراغ عن وجوده و لو كانت المهيات كلها بريئة من الشرور التي هي لوازم لها لكانت المهيات واحدة. و من المحال أن تكون النار نارا و لا يوجد لها لازم النارية من إحراق ثوب لاقته إلا أن لا يكون الثوب ثوبا بل شيئا آخر لا تحرقه النار، أو لا تكون النار نارا محرقة و إن اشتبه عليك بعد هذه المباحث إنه لما كانت الأفاعيل البشرية من الفضائل و الرذائل و الطاعات و المعاصي و بالجملة الخيرات و الشرور كلها مقدرة مكتوبة علينا قبل صدورها معجونة فينا، فلما ذا تعاقب من ابتلاه القدر بارتكاب الخطيئات و اقتراف الشهوات؟
فاعلم إن العقاب على المعصية ليس لأن الأول المتعالي عن سمات الحادثات يستولي عليه الغضب و يحدث له الانتقام، بل النفوس إنما يترتب عليه الثواب و العقاب بهيئات ساقها إليهم القدر و الثواب و العقاب من لوازم الأفاعيل الواقعة منا من قبل و ثمراتها لواحق الأمور الموجودة فينا و تبعاتها، فالمجازاة إظهار ما كتب علينا في القدر و إبراز ما أودع فينا و غرز في طباعنا بالقوة كما قال سبحانه: سينجز لهم وصفهم و وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [١] فمن أساء علمه و أخطأ في اعتقاده فإنما ظلم نفسه بظلمة جوهره و سوء استعداده و كان أهلا للشقاوة في معاده. و لعلك لاعتبارك بالمجادلات الكلامية و الخطابيات الجمهورية تضطرب و تصول و ترجع فتقول: إن ما حال و الفلسفي أن تقيم للشرور و القبائح الكائنتين في الوجود معذرة و تحبب اللّه عزّ و جلّ إلى عباده فقال: إن هاهنا ما هو صلاح و خير بالنسبة إلى النظام الكلي و الأمر العام و ما هو كذلك بالقياس إلى النظام الجزئي و الأمر الخاص، و إذا تعارضا فلا بد من تقديم إصلاح العام الكلي و إهمال جانب الجزئي، كمن قطع عضو أصابه سم الحيّة لإصلاح حال الجسد و نظامه الكلي و جعل كل شر و ضرّ لا حقين لآحاد الناس واجبين في النظام الكلي فهو فاسد من وجهين:
أحدهما: إنه يلزم منه أن ربّ العباد فارقهم و هاجرهم و رماهم بالمصائب و النوائب تقديما لغيرهم عليهم، و هذا مما يسؤهم جدا و يسيء ظنهم بربهم جدا لأن عناية كل شيء، مصروفة إلى نفسه قبل كل شيء فإذا رأى ربه يؤثر غيره عليه و يرميه بنصب و عذاب لأجله يأس من رحمته و ندم على عبوديته، و أي فائدة له في أن يكون
[١] سورة التوبة، الآية: ٤٩.