شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٩
فحاصل البرهان إنه لما كان الوجوب و الإمكان و الامتناع من لوازم المهيات فالواجب لو كان ذا ماهية، فجزئيات تلك الماهية لا يجوز أن يكون جميعها ممتنعة لذاتها و إلا لما تحقق الواجب أصلا، و لا واجبة لذاتها و إلا لكان المعدوم واجبا أو لوقوع الكل و كلاهما باطل. و لا ممكنة و إلا لكان هذا الواقع أيضا ممكنا لذاته مع أنه واجب لذاته هذا خلف. فإذن إن كان في الوجود واجب بالذات فليس إلا الوجود الصرف المتشخص بنفس ذاته و ما أشنع ما أورد عليه بعض الأعلام من الكرام من أن دعوى عدم امتناع الجزئيات الغير المتناهية ممنوعة، و لم لا يجوز أن يكون لماهية كلية أفراد متعددة متناهية لا يمكن أن يتعدى عنها؟.
في الواقع، و إن جاز في الوهم الزيادة عليها و لو سلم عدم التناهي، فهو بمعنى لا يقف، و بطلان اللازم حينئذ ممنوع و لو سلّم إنه غير متناه بالمعنى الآخر فغاية ما يلزم أن يكون الواجبات غير متناهية. فلقائل أن يمنع بطلان هذا قائلا: إن دلائل بطلان التسلسل لو تمت لدلت على امتناع ترتب أمور غير متناهية موجودة معا و لزوم ترتب الواجبات غير بيّن و لا مبين. فإنّا نجيب عما ذكره أولا: بأن كل ماهية بالنظر إلى ذاتها لا تقتضي شيئا من التناهي و اللاتناهي و لا مرتبة معينة من المراتب أصلا إلا بسبب و علّة، فإذا قطع النظر عن الأسباب الخارجة عن نفس الماهية لا تأبى عند العقل أن يكون لها أفراد غير متناهية. و عما ذكره ثانيا و ثالثا، بأن الكلام هاهنا ليس في بطلان التسلسل في الواجبات عدديا كان أو لا يقينيا، مترتبا أو متكافيا حتى قيل: إن بطلانه منظور فيه بل الكلام في إنه إذا كان للواجب تعالى ماهية كلية يمكن أن يفرض لها جزئيات وراء ما وقع و لما كان كل من الوجوب و الإمكان و الامتناع من لوازم المهيات، فإذا وجب فرد من ماهية كلية يلزم أن يكون جميع أفرادها واجبة و كذا امتنعت لو امتنع و أمكنت لو أمكن.
فنقول: تلك الأفراد المفروضة لم تكن واجبة و إلا لما عدمت، و لا ممتنعة و إلا لكان هذا الواقع أيضا ممتنعا هذا خلف، و لا ممكنة و إلا لكان الواجب لذاته ممكنا لذاته. هذا أيضا خلف، فثبت أنه لو كان الواجب تعالى ذا ماهية غير الوجود يلزم كونه خلوا عن المواد الثلاث و هو محال.
أقول: و مما سنح لنا في هذا المطلب و هو قريب المأخذ مما ذكره صاحب «الإشراق»، هو إن الوجود لو كان زائدا على ماهية الواجب لزم وقوعه تحت مقولة