شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٨
و الطعوم، فلذلك تعددت قوى اللمس دون باقي الحواس.
أقول: لما علمت أن مزاج الحيوان من جنس الكيفيات التي هي أوائل المحسوسات اللمسية و ما يتبعها، و إن القوة التي هي أولى مراتب الحيوانية يجب أن يكون بحيث يتأثر بسببها الحيوان عن أضداد ما فيه من الكيفيات الأولية و توابعها.
فالحيوان باعتبار وقوعه في كل وسط من أوساط تلك الكيفيات يدرك الأطراف التي يكون ذلك الوسط وسطا بالقياس إليها و يتأثر عنها فلا محالة تعددت اللامسة و هذا معنى قولهم بحكومة اللامسة في التضاد بين الكيفيات.
و أما كون قوة واحدة مدركة للأمور المتخالفة و المتضادة فهو غير مستحيل، كما سيأتي تحقيق ذلك في المبحث عن الخيال إن شاء اللّه تعالى. و مما يناسب هذا المقام أن الشيخ الرئيس ذكر في الفصل الثالث من المقالة السادسة من علم النفس: أن الحواسّ منها ما لا لذة لفعلها في محسوساتها و لا ألم، و منها ما يلتذ و يتألم بتوسّط المحسوسات. فأما التي لا لذة لها و لا ألم، فمثل البصر فإنه لا يلتذ بالألوان و لا يتألم بذلك، بل النفس تتألم بذلك و تلتذ، و كذا الحال في الأذن فإذا تألمت الأذن من صوت شديد و العين من لون مفرط كالضوء، فليس تألّمها من حيث تسمع أو تبصر، بل من حيث تلمس لأنه يحدث فيه ألم لمسّي، و كذلك يحدث فيه بزوال ذلك لذة لمسّية.
و أما الشم و الذوق فإنهما يتألمان و يتلذذان إذ يكتفيا بكيفية مناصرة و ملائمة.
و أما اللمس فإنه قد يتألم بالكيفيّة الملموسة و يلتذ بها، و قد يتألم أو يلتذ بغير توسّط كيفيّة من المحسوس الأول [بل] بتفرق الاتصال و التيامه انتهى. و اعترض عليه المسيحي من شرّاح القانون بأن كلامه في غاية الإشكال.
أما أولا: فلأنه يرى و يعتقد أن المدرك للمحسوسات الجزئية هي الحواس الخمس، فمذهبه في هذا الموضع إن كان هو ذاك فقد ناقضه في السمع و البصر و إن لم يكن هو ذاك فيكون قوله في الشّم و الذوق و اللمس قولا فاسدا.
و أما ثانيا: فلأن كل واحد من الحواس له محسوس خاص يستحيل أن يدركه غيره و بديهة العقل حاكمة بهذا، و حينئذ نقول: كيف يتصور أن يقال أنّ القوة اللامسة الحاصلة في الأذن و العين هي المدركة للصوت المفرط و اللون الموذي.