شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ١٠٨
بين أن الجسم يلحقه علل في الوجود و تجعل هذا الجسم شيئا دون ذلك الجسم لا فصول في الذهن فقط.
و أما البرهان الثاني: فهو أنه لو تحرك جسم من الأجسام عن ذاته لما أمكن توهم أمر في غيره يوجب بطلان حركته و إن كان ذلك هو السكون في حيزه أو حصول ما هو المطلوب بالحركة أي مطلوب كان، و بطلان التالي ضرورة يوجب بطلان القدم.
و منهم من قرر هذا البرهان هكذا، لو تحرك جسم ما بمجرد جسميته فلو لم يكن له في حركته مطلوبا لكان إما متحركا إلى كل الجهات أو إلى بعضها، و الأول يوجب التوجه في حالة واحدة إلى جهات مختلفة و هو بديهي الاستحالة، و الثاني يوجب الترجيح بلا مرجح و هو أيضا محال و إن كان له مطلوب وجب سكونه و إلا لكان المطلوب بالطبع متروكا بالطبع و التالي باطل لأنه حينئذ لا يكون متحركا لذاته لامتناع زوال ما بالذات و قد فرض كونه كذلك، هذا خلف فالمقدم مثله. و أقول: فيه بحث.
أما أولا: فلعدم اختصاص هذا الوجه بهذا المطلوب لأنه يجري فيما إذا كان تحرك الجسم بشيء غير الجسمية بل بطبيعته و هو على حالته الطبيعية بل الأولى إيراده لنفي كون شيء من الحركات ملائما لذات الطبيعة بما هي هي.
و أما ثانيا: فلأنه يجوز أن يكون مطلوب الجسم المتحرك أمرا يستحيل حصوله بالكلية كما في الأفلاك مثلا فلا يلزم الخلف المذكور، و على تقدير أن يكون ممكن الحصول إنما يلزم سكون الجسم عند حصوله إن لم يكن له مطلوب آخر، و أما إذا كان فلا لجواز أن يسنح له كمال بعد كمال إلى غير النهاية و يحدث فيه شوق بعد شوق فيتحرك من غير انقطاع.
و أما البرهان الثالث: فهو أن الحركة أمر يحدث دائما و كل حادث فله علة فاعلة محدثة فهي المحرك و هو إما أن يكون نفس المتحرك أو غيره و الأول باطل لأن المحرك من جهته ما هو محرك مفيد لوجود الحركة و المتحرك من جهة أنه متحرك مستفيد لوجود الحركة و لا يجوز أن يكون شيء واحد من جهة واحدة مفيدا و مستفيد أو لا ينتقض هذا بمعالجة النفس ذاتها إذ المعالج النفس من حيث ما لها من الطبابة و ملكة المعالجة و المستعلج هي من حيث هي ما لها من المرض و استعداد قبول العلاج من جهة التعلق بالبدن، فالطبيب معالج و المريض متعالج، فموضوع التأثير و التأثر مختلف فيه.