شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٥
الدنياوية بمعرفة اللّه و خواصّه المقربين. فإذا انفصلت عن البدن و كانت متنبهة بالكمالات، عارفة بمعشوقها الحقيقي على وجه اليقين فزال عنه العائق البدني و الحذر الذي كان حاصلا لها بسببه، طالعت اللذة العظيمة دفعة، و تكون تلك اللذة و البهجة فوق اللذات الحسّية و الحيوانية بوجه لا يناسبها، لأنها لذة تحصل للجواهر الحيّة المحضة عند حالتها الطبيعية و هي أجلّ من كل لذّة و أشرف، إذ التفاوت في اللذة قد يكون بحسب شرف القوة و خسّتها، و قد يكون بحسب مقدار الإدراك، فالإدراك القوي لذته قوية و الضعيف ضعيفة. و قد يكون بسبب المدرك، فكل ما هو أكمل و إلى الكمال المطلق أقرب كانت اللذة به أقوى، فإذا كان كذلك، فكيف تقاس اللذة الحسية مع خسّة الحواسّ و قصور المحسوسات لكونها اعتراضا مادية؟ و نقص الإدراكات و شوبها لأنها لا تقدر على تلخيص مدركاتها عما يشوبها من الملابس إلى ما يناله العقل من اللذة عند مشاهدة واجب الوجود بذاته الذي هو الكمال المطلق و ألا يشوبه نقصان و ما يليه من الملائكة المقربين و الذوات المقدسين هذا من جهة المدرك، و أما من جهة المدرك فإن القوة العقلية قد علمت إنها غير موجودة في مادة، فهي إذن بعيدة عن التغير و الدثور و الهلاك لأنها أقدم الموجودات نسبة إلى واجب الوجود بذاته بخلاف القوى الداثرة الحسّية، فإنها مادية ضعيفة الوجود سيئول إلى وهن و فتور ثم إلى زوال و دثور. و أما من جهة الإدراك، فإن القوة العقلية تدرك المعاني بريئة عما سواها كما أشرنا إليه. و القوة الحسية تدرك كل معنى تدركه مشوبا بغيره من الغواشي و العوارض و لا يقدر على إدراك حقائق الأشياء و بواطنها، بل تدرك الظواهر بحيث التغير و العقل يدرك جواهر الأشياء و أسرارها بحيث لا يقبل التغير.
هداية:
يريد أن يثبت في هذه الهداية الألم العقلي، ففسّره أولا بأنه إدراك المنافي من حيث هو مناف، مناف الشيء ما يقابل ما يلائمه، و فائدة قيد الحيثية و سائر ما يتعلق بتفسير الألم يعلم بالمقايسة إلى ما ذكرنا في تفسير اللذة.
ثم قال: و المنافي للنفس الناطقة من جهة القوة النظرية لها إنما هو الهيئة المضادّة للكمال من الاعتقادات المنافية للحق، و من جهة القوة العملية لها الأخلاق المذمومة و الهيئات الانقيادية و خصوصا للماديات المنافية للسعادات. فالنفس إذا فارقت البدن