شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٢
الشر إنما توجد تحت كرة القمر في بعض جوانب الأرض التي هي حقيرة بالنسبة إلى الأفلاك المقهورة تحت أيدي النفوس المطموسة تحت أشعة العقول الأسيرة في قضية الرحمن و لا نسبة لها إلى جناب الكبرياء الباهر برهانه على الضياء، ثم إن إصابة الشر في هذا الموضع إنما هي لبعض الأشخاص و في بعض الأوقات و الأنواع محفوظة.
و أما بالقياس إلى نظام الكل فلا شر أصلا إذ قد عرفت إن هذا النظام شريف فاضل و جميع ما وقع طبيعي بالقياس إليه و الطبيعي للشيء لا يكون شرّا له أصلا.
فقد تحقق و تبين بالبرهان الساطع إن كل ما تقتضيه حكمته تعالى و فيضه كان حسنا و خيرا و من ظن إنه شرّ كان لخلل في عقله و قصور في فهمه، فلا شر في النظر إلا و هو خير من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشأها و موجدها. فإذن، تصور ذرة الشر في بحر أشعة شمس الخير لا يضرها، بل يزيدها بهاء و جمالا و ضياء و كمالا كالشامة السوداء على الصورة المليحة البيضاء تزيدها حسنا و ملاحة و إشراقا و صباحة، فسبحان من تقدّست كبرياؤه عن تقصير الأفعال و تصوير الأمثال و الأشكال و جلّ جنابه عن توهم هذا الخيال المحال.
ثم لا يبعد أن يذهب على بعض الأوهام العامية أن الفاعل للكل إذا كان مختارا فله أن يختار أيّما شاء من الخيرات، فلا يمتنع عليه شيء فهذه الأبحاث ساقطة على هذا التقدير.
فنقول: قد علم مرارا إن اختياره تعالى أرفع من هذا النمط الذي تصوروه و لا يمكن أن تكون إرادته متساوية النسبة إلى الشيء و مقابله بلا داع و مصلحة، إنما كان ذلك رأي جماعة قصرت أفهامهم عن درك حقائق الأشياء و كيفية ارتباطها بالمبدإ الأعلى جل كبرياؤه فارتكبوا كثيرا من المحالات الناشئة عن عقيدتهم الفاسدة من جملتها تجويز الترجيح من غير مرجح و نفي اللزوم في شيء من الأشياء و تجويز كل قبح من اللّه تعالى، و لم يتفطنوا إنه على تقدير أن لا تكون أمور العالم منوطة بقوانين كلية مضبوطة، بل تكون بإرادة جزافية كما ظنوا لم يكن أولياء اللّه و أحباؤه و خلص عباده ممنوة بالمحن الشديدة و تسلّط الأعادي عليهم مدة مديدة، بل كانوا مما جمع لهم بين المثوبة في الآخرة و السلامة في الدنيا. و استخف من ذلك ما قال بعضهم:
من إن الفلاسفة لما قالوا بالإيجاب و الجبر في الأفعال فخوضهم في هذا المبحث من جملة الفضول، لأن السؤال يلمّ عن صدورها غير وارد كصدور الإحراق من النار لأنه يصدر عنها لذاتها.