شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ١٧٥
بمعنى أن مبدأ حركته ليس قوة حيوانية منطبعة بل نفسا مجرّدة عن المادة ذات إرادة كلية لا يكون تعلّقها بجرم الفلك تعلق الانطباع بل تعلّق التدبير و التصرف كمتعلق النفس الناطقة ببدن الإنسان. و اعلم أن الأدلة المذكورة في إثبات هذا المطلب مبتنية على حركة الفلك أما من جهة مبدئها و أما من جهة غايتها و غرضها لكون حركته إرادية كما علمت في الفصل السابق، فلها فاعل و غاية، فالاستدلال من جهة الغاية كقولهم:
غرض الفلك في حركته ليس حيوانيا فإنه لا نمو له و لا تغذي إذ لا كون له ليكون غرضه شهوانيا و لا مزاحم له و لا خرق إذ لا فساد له ليكون غضبيا و الأغراض بما هي حيوانية لا تخرج عن هذين فلها مراد عقلي و إدراك كلي فلها نفس ناطقة، و الاستدلال من جهة الفاعل كقولهم: حركة الفلك غير متناهية و غير المتناهي لا يصدر عن قوة جسمانية، فحركة الفلك لا تصدر عن قوة جسمانية فبدء [فمبدأ] حركته نفس مجردة إذ العقل الصرف لا يباشر تحريك الأجسام لما ثبت عندهم أن العقل كامل بالفعل لا يكون فيه شوب قوة و نقص، و المباشرة للتحريك له جهة قوة و نقص و لما كانت هذه الطريقة أربط بالعلم الطبيعي اختارها المصنف و قال: على هيئة تركيب الشكل الثاني لأن القوة المحركة للفلك تقوى على أفعال غير متناهية و لا شيء من القوى الجسمانية كذلك، فالمحرك للفلك ليست قوة جسمانية فهي إذن نفس مجرّدة. أما الصغرى فلما ثبت عندهم من عدم تناهي حركة الفلك فله لا محالة قوة يقوى على غير المتناهي من الأفعال، و لك أن تعلم أن النهاية و اللانهاية إنما يلحقان بالذات الكم سواء كان متصلا و هو المقداري أو منفصلا و هو العددي. و المقدار نفسه كما يمكن فيه فرض اللانهاية المقداري و العددي في الازدياد فقد يمكن فيه فرض اللانهاية العددي في الانتقاص.
و أما الشيء الذي ليس من باب الكم كالقوى ففرض النهاية و اللانهاية فيه أما بسبب ما هو فيه أو بسبب ما هو عليه.
أما الأول: فلو كانت الأجسام غير متناهية كانت القوى أيضا بسبب ذلك غير متناهية و كذلك حكم جميع الأعراض السارية فيها.
و أما الثاني: فهو أن يكون المقوى عليه غير متناهية و هو إنما يتصور في ثلاثة أمور: الشدّة و المدّة و العدّة، و الفرق بين هذه الأمور و عدم التناهي في كل منها إنما يتحقق و يعلم بأن نفرض تارة رماة متفاوتة القوى في سرعة الرمي و بطؤه فيختلف لا محالة أزمنة قطع سهامهم مسافة معينة ثم نفرض رماة متفاوتة القوى في طول مدة نفوذ