شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٤
و عظم شرافتها في أسلوب المباحثة و المناظرة من دون الرجوع إلى الأمور المقرنة للقدس من الخلوات و الرياضات كما سلكه و وصل إليه، و بعد أن قرر الشيخ هذه المسألة العظيمة بهذه الطريقة اللطيفة أورد على نفسه إشكالا و هو: إنّا إذا علمنا شيئا إن لم يحصل منه فينا أثر فحالنا قبل ذلك العلم و بعده واحد، فما كنا أدركناه و إن حصل فينا شيء فلا بد من مطابقته لذلك المدرك، فيكون صورة ذهنية. ثم أجاب عنه بأن ذلك إنما يجري في العلم الارتسامي، و أما العلم الحضوري الشهودي، فإذا حصل فينا فلا بد لنا من حصول شيء لم يكن حاصلا فينا قبل ذلك، و هو الإضافة الإشراقية فقط من غير افتقار إلى المطابقة الواجبة حصولها في العلوم الصورية و تقسيم العلم في أوائل المنطق إلى التصور و التصديق، إنما هو في العلوم التي هي غير علوم المجردات بذواتها و غير العلم بالأشياء التي يكفي في العلم بها مجرد الإشراق الحضوري، فإنها ليست من التصورات و التصديقات في شيء. و المشّاءون و غيرهم لما لم يتيسر لهم ما تيسر لهذا الشيخ العظيم و لم يظفروا بهذه القاعدة العظيمة تراهم كالمبهوتين في علم اللّه، فمنهم من نفاه و ضلّ ضلالا بعيدا و خسر خسرانا مبينا، و منهم من جعله صورا معقولة قائمة بذواتها، و منهم من قال باتحاد الواجب بالمعقولات. و الشيخ الرئيس لما كان العلم بالغير منحصرا عنده بالصورة تراه في كتاب «الشفاء» متحيرا في ذلك، فتارة يقول: إن صور جميع الموجودات التي بها علم واجب الوجود لا يجوز أن يكون في ذاته لئلا يتكثر ذاته الوحدانية، و تارة يجعلها في بعض الموجودات، و تارة يقول فيكون في صقع من الربوبية و لا يفهم أحد ما هذا الصقع الذي فيه صور جميع الموجودات و تارة يلزم أن هذه الصور في ذات الواحد الحق من غير لزوم تكثر لأنها كثرة خارجة عن الذات لا داخلة في حقيقته. و لما تفطن الشارح لكتاب «الإشارات»، و هو العلامة الطوسي إن إثبات الصور في ذات اللّه تعالى قول فاسد، و مذهب باطل، ناقصه و حاول طريقة أخرى لتصحيح مسألة العلم معاهدته نفسه على أن لا يخالف الشيخ أصلا.
و أنت إذا تأملت طريقته تأملا شافيا وجدتها مأخوذة من طريقة شيخ الإشراقي التي يقول بصحتها كل من سلك سبيل الحق و كوشف بالأنوار الإلهية لكن يخالفها. هذه تجعل علوم المجردات بالأشياء بحصول صور الأشياء فيها، ثم يجعل الصور المرتسمة في الجواهر العقلية مناطا لعلم اللّه تعالى بالأشخاص المادية و الحوادث الكونية و هو غير جيد كما سبق. و أنت قد عرفت من طريقة صاحب «الإشراق» إن الجواهر القاهرة