شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٤
و بيان الحكم الأول قوله: لأن إمكان وجوده سابق على وجوده، و إلا لما كان قبله أي قبل وجوده ممكنا لذاته بل ممتنعا لذاته لعدم احتمال كونه واجبا مع سبق العدم، و حينئذ إما أن يصير ممكنا في وقت وجوده، فيلزم انقلاب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، هذا خلف لاستلزامه تخلّف الذات عن نفسها، و أما أن يصير واجبا، فيشتد الاستحالة للزوم الانقلاب مع مسبوقية الواجب بالعدم. و ذلك الإمكان أمر وجودي، أي ثابت و إن كان ثبوته على نحو ثبوت المعدومات و الإضافيات التي يتصف بها الأشياء في الخارج، و إلا لما كان الممكن متصفا به قبل وجوده في الواقع إذ لا فرق بين قولنا: إمكانه لا، و بين قولنا: لا إمكان له، فلو كان الإمكان منفيا لم يتصف الحادث به. هذا خلف، فثبت أن الإمكان نحوا من الثبوت الخارجي. و هذا القدر كاف فيما نحن بصدده من إثبات المادة و ما في حكمها للحوادث و على ما قررنا لكلام المصنّف يندفع عنه كثير من الشكوك، منها أن المفارقات ممكنة الوجود بحسب ماهياتها قبل اتصافها بالوجود قبلية بالذات، فيلزم أن يكون إمكاناتها قائمة بمحل آخر غيرها فكانت مادية هذا خلف، و وجه الاندفاع أن اتصافها بالإمكان ليس في الواقع بل في مرتبة ماهياتها من حيث هي هي، و إنما الثابت لها في الواقع الفعلية و الوجوب بتحصيل الفاعل الحق إياها و تلك المرتبة و إن كانت من مراتب الواقع لكن الواقع أوسع منها، فلا ينافي سلب ضرورة الوجود في مرتبة من الواقع ضرورية فيه، و السر في ذلك أن الإمكان صفة سلبية و الاتصاف بأمر سلبي في نحو من أنحاء الواقع لا يوجب الاتصاف به في الواقع بخلاف الأمر الوجودي، فإن الاتصاف به في مرتبة يوجب الاتصاف به في الواقع.
و حاصل الكلام إن الإمكان به في المفارقات يجامع الفعلية، فلا ينكر [يتكرر] بسببهما الذات الموصوفة بهما بخلاف إمكان الحوادث المغاير لوجودها في الثبوت الخارجي، فإنه يحتاج إلى حامل مغاير يغاير ذلك الحادث كما علمت في بحث الهيولى، و منهم من أجاب عن هذا الشك بأن الإمكان في المفارقات بمعنى آخر و هو أنه متى عدمت علتها عدمت هي بخلاف ما نحن فيه، فإن الحادث يمكن أن ينعدم مع بقاء علته لفساد يعرض لجوهره و هو غير صحيح.
أما أولا: فلأن الإمكان الذي هو قسيم الوجوب و الامتناع مشترك في الجميع بمعنى واحد.