شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٨
الأعضاء المدركة و المحركة منبثا في جميع البدن يسمى روحا نفسانيا، و ما يسفل منه إلى الكبد بأيدي سفراء الأوردة الذي هو مبدأ القوى النباتية منبثا في أعماق البدن يسمى روحا طبيعيا، فالوريد المطلق هو القلب و لو كان الدماغ غير آخذ منه بل مبدأ للروح كان كثير الحرارة مفتقرا إليها في التسخين و التلطيف، فما كان باردا رطبا لاشتعل سريعا بانضمام الأفعال المسخّنة من المحركات و الانتقالات الفكرية و بذلك يظهر بطلان ما زعمه أفضل الأطباء جالينوس و به حياة البدن بواسطة النفس الناطقة، فإن حياة هذا الروح نور النفس الإلهية المذكورة في القرآن، و إلا فهو جسم و الجسم بما هو جسم ميت، فحياته غير ذاتية بل عرضية واهبتها الحيّة لذاتها كما سيجيء هذا الروح الحيواني هو المبدأ القريب لحياة البدن، فكل موضع يغيض إليه من سلطان نوره يحيي و إلا فيموت. و اعتبر بالسّدد الواقعة في مجاري الأعصاب و العروق، كيف يورث الفلج و الصرع و السكتة و الذي سدّ طرفه بحسّ يخدر فيه و قد لا يتألم بجرح و ضرب و إذا وقعت شدة شديدة انقطعت الروح فتبطل الحياة، و لو لا لطفه ما يترشح في منافذ الأعصاب و العظام. و أما المواضع المختصة فما سبق ذكرها و المرشد إلى اختصاص كل قوة بآلة تلازمها في الخارج و الصلاح و الفساد إلى تعدد القوى بقاء بعض دون بعض لا كثرة الأفاعيل كما علمت.
و قد يقال في تعيين مواضعها بطريق الحكمة و الغاية: إن الحسّ المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة، فيكون المتأدي إليها سهلا و الخيال خلفه لكونه خزانة له و خزانة الشيء ينبغي أن تكون كذلك ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال ليكون الصور الجزئية بحذاء معانيها و الحافظة بعده لأنها خزانته، و المتخيّلة قريبة من الصور و المعاني فيمكنها الأخذ منها بسهولة، لكن الأطباء لما كان نظرهم مقصورا على حفظ صحة القوى و إصلاح اختلالها و لم يحتاجوا إلى الفرق بين القوى و تبيين أنواعها بل إلى معرفة أفعالها و مواضعها و كانت الآفات العارضة قد تتجانس، اقتصروا على قوة في البطن المقدم من الدماغ سموها الحسّ المشترك و الخيال، و أخرى في البطن الأوسط سموها المفكّرة و الوهم، و أخرى في البطن المؤخر سموها الحافظة و المتذكرة.
و ظن بعضهم أن الشيخ تردد و اضطرب في أمر القوى حيث قال في «الشفاء»:
يشبه أن تكون القوة الوهمية هي بعينها المفكرة و المتخيلة و المتذكرة هي بعينها