شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٦
فيجب أن يحمل مرادهم من ذي الرائحة على الجسم المحدث للرائحة كالمسك و التفاحة لا ما قام به الرائحة مطلقا، و إلّا لكان الحكم بعدم توقف الشم على مماسة ذي الرائحة محل نظر.
و من الفلاسفة من زعم أن الأفلاك و الكواكب لها شمّ و لها روائح، و ردّ عليهم المشّاءون بأنه لا هواء هنالك يتكيف و لا بخار يتحلل. و أجيب: بأن اشتراط ذلك إنما هو في العنصريات. و من كلمات بعض المتأخرين: أنه عند اتصالها بالفلكيات في نوم أو يقظة يشم منها روائح أطيب من المسك و العنبر بل لا نسبة لما عندنا إلى ما هناك، و لهذا أرباب العلوم الروحانية: على أن لكل كوكب بخورا مخصوصا و لكل روحاني رائحة معروفة يستنشقونها و يتلذذون بها و بروائح الأطعمة المصنوعة فيفيضون على من ترتب ذلك ما هو مستعد له.
أقول: لهذه الأقوال وجوه صحيحة و تأويلات لائقة يستدعي بيانها مجالا أوسع، على أن الأسرار مما يجب صونها عن الأغيار و منها الذوق، و هي قوة منبثّة في العصب المفروش على جرم اللسان و هو تال المسّ في المنفعة حيث يفعل ما به يتقوّم البدن و هو تشهّيه الغذاء و اختياره و يوافقه في الاحتياج إلى الملاقاة و تفارقه في أن نفس الملاقاة لا تؤدي الطعم كما أن نفس ملاقاة الحادّ تؤدي الحرارة بل لا بدّ من توسّط الرطوبة اللعابية المنبعثة في الآلة المسماة بالملعبة بشرط خلوّها من الطعم و إلا لم يؤدّي الطعم كما في بعض الأمراض.
و اختلفوا في أن توسّطها بأن يخالطها أجزاء ذي الطعم و ينتشر فيها ثم ينفذ فيغوص في جرم اللسان، فحسّية الذوق أو بأن يستحيل نفس الرطوبة إلى كيفية المطعوم من غير مخالطة، فعلى الأولى: تكون الرطوبة واسطة لوصول جوهر المحسوس إلى الحاس. و في الثاني: تكون هي المحسوس بعينها بلا واسطة و ما يدرك بهذه القوة هو الطعوم التسعة و ما يتركب منها، و منها: اللمس و هي قوة منبثّة بواسطة الأعصاب في جلد البدن و أكثر اللحم و غيرهما كالغشاء بسبب انثبات حاملها و هو الروح النفساني و اللامسة للحيوان في باب الضرورة كالغاذية للنبات.
قال الشيخ الرئيس: أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس، فإنه كما أن للنبات غاذية يجوز أن يفقد سائر القوى دونها كذلك حال اللامسة للحيوان لأن