شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٣١
الرابع: إن الجزم غير حاصل بأن الاعتبارات المذكورة في العقل هي التي حصلت منها الموجودات العقلية و النفسية و الجرمية أو غيرها، و لا أن العقل الواحد يكون علة للفلك الكلي بما فيه من الأفلاك و الكواكب، و لا إن النفس المتعلقة بكل فلك كلي واحدة.
الخامس: إن الجهات الثلاث في العقل الأخير غير كافية لصدور الأنواع المتباينة الصور المحفوظة الطبائع في درجة واحدة. فإن اختلاف القابل مع وحدة جهة الفاعل كما علمت لا يوجب إلا اختلاف أنحاء الحصولات و التشخصات لنوع واحد دون اختلاف الحقائق و مبادي الفصول، و الأظهر أن الأوائل من الحكماء رضي اللّه عنهم لم يحكموا بهذه الأحكام في ترتيب الوجود على حسب الجزم و اليقين، بل لما تعذرت عليهم التفاصيل لأنهم هم المنشئون، و المنشئ لعلم و المبعوث لشريعة يتعذر عليه التفاصيل، فلا جرم طرقوا لمن يأتي بعدهم سبيلا و سهلوا الباب عليهم بذكر أنموذج و مثال في كيفية صدور الكثرة عن الواحد. فيتيسر بفهم الأنموذج على الأذكياء تفصيل هذا الباب لكل بحسب طاقته البشرية الميسّر لما خلق له، و اللّه أعلم بحقائق الأمور.
و ما أسخف بعد هذه المراتب اعتراض الإمام الرازي عليهم بما ذكره مرارا، من:
إن مثل هذه الكثرة لو كفى في أن يكون الواحد مصدرا للمعلولات، فذات الواجب تعالى يصلح أن يجعل مبدأ للممكنات، باعتبار ما له من كثرة السلوب و الإضافات من غير أن يجعل بعض معلولاته واسطة في ذلك، و يحكم بأن الصادر الأول عنه ليس إلا واحدا. و قد علمت وجه سخافة هذا الكلام مرارا و عرفت إن الكثرة في العقول ليست من الأمور الاعتبارية الصرفة، فإن الإمكان و إن كان أمرا سلبيا و الوجوب أمرا إضافيا لكن تعقلها أمر حقيقي. و الأليق بحال من اعتادت نفسه بالمجادلات الفقهية و صارت الآراء الكلامية ملكة لها أن لا يشرع في علم يحتاج تعلّمه إلى فطرة ثانية و قريحة خالية عن أقاويل المبتدعين لحبّ الرئاسة في أمور الدنيا ليحفظ غرضه، و لا ينكشف قصوره على أبناء العلم و العرفان و أصحاب الذوق و الوجدان، فبهذا الطريق يصدر عن كل عقل عقل و فلك، و ذلك- أي صدور العقل و الفلك- عن كل عقل إلى العقل التاسع، فيصدر عنه فلك القمر و عقل عاشر و هو المبدأ الفياض لما في عالمنا و المدبّر لما تحت فلك القمر بالتأثير و الإيجاد لا بالتحريك و التصريف كما هو شأن النفوس،