شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٣
الشعاع بل على أن في العين نورا و نحن لا ننكر أن آلات الإبصار أجساما شعاعية مضيئة يسمى بالروح الباصرة و إن أنكرها محمد بن زكريا زاعما أن النور لا يوجد إلا في النار و الكواكب و أما الأجسام الكثيفة و ما في بواطنها فالأولى بها الظلمة و كيف يعقل داخل الدماغ مع تسترها بالحجب الكثيفة جسم نوراني؟.
أما الشيخ الرئيس فقد اعترف بذلك لأن جالينوس لما احتج ببعض الشبه التي حكيناها على خروج الشعاع من العين فأجاب عنه: بأن ذلك يدل على وجود الشعاع في العين و لا نزاع فيه، لكن لم قلتم أن ذلك الشعاع يخرج من العين؟ فحينئذ نقول:
آلة الإبصار جسم نوراني في الجليدية يرتسم منه بين العين و المرئي مخروط وهمي يتعلق إدراك النفس بذلك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية و تشتدّ حركته عند رؤية البعيد فيتحلل لطيفها و يفتقر إلى تلطيف إذا غلظ و تكثيف إذا لطف و رقّ فوق ما ينبغي، و يحدث منها في المقابل القابل أشعة و أضواء يكون قوتها في مسقط السهم مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي، و لشدة استنارته يكون ما يرى منه أظهر و إدراكه أقوى و أكمل، و يشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرّح به الشيخ، و إلا فهو باطل قطعا.
أما إذا أريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الأعراض فظاهر و إن أريد جسم شعاعي يتحرك من العين إلى المرئي فلأنّا قاطعون بأنّه يمتنع أي يخرج من العين جسم يسقط في لحظة على نصف كرة العالم ثم إذا أطبق الجفن عاد إليها أو انعدم ثم إذا انفتح خرج مثله و هكذا ... أو أن يتحرك الجسم الشعاعي من دون قاسر و لا إرادة في جميع الجهات و أن ينفذ في الأفلاك و يخرقها ليرى الكوكب و أن لا يتشوش لهبوب الرياح و لا يتصل لغير المقابل كما في الأصوات حيث تميلها الرياح إلى الجهات و لأنه يلزم أن لا يرى القمر مثل الثوابت بل بزمان يناسب تفاوت المسافة بينهما و ليس كذلك بل يرى الأفلاك بما فيها من الكواكب دفعة، و بمثل هذه الأدلة و الإمارات يمكن إبطال القول بأن الإبصار بتكيف الهواء بشعاع العين و اتصاله بالمرئي فإن قلت: أ ليس علم المناظر و المرايا فن حكمي اعتنى به كثير من المحققين مع أن بناء مباحثه على القول بخروج الشعاع بمعنى وقوعه من العين إلى المرئي كما يقع من الشمس و سائر النيرات الكوكبية و النارية على ما يقابلها على هيئة مخروط رأسه عند النير و البصر و قاعدته عند المستنير، و المرئي منها أن الشيء مثلا إذا بعد يرى أصغر مما إذا قرب لأن المخروط