شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٣
و على هذا القياس القول في الأبد، إلا أن بعض الحوادث أبدية كالنفوس الإنسانية التي قد دلت البراهين العقلية و الآيات و الأحاديث الشرعية على أبديتها، و إذا تبين ذلك فلنرجع إلى ما كنا بصدده. أما كونها أزلية بالمعنى المذكور، فلوجوه لم يذكر إلا أحدها كما قال:
أحدها: إن واجب الوجود مستجمع لجملة ما لا بد منه في تأثيره في معلوله و إلا لكان له حالة منتظرة. هذا خلف كما مر.
و العقول أيضا مستلزمة لجملة ما لا بد منه في تأثير بعضها في بعض، لأن كل ما يمكن لها فهو حاصل لها بالفعل و إلا لكان شيء منها- أي من جملة ما لا بد منه- في تأثير بعضها في بعض حادثا، و كل حادث مسبوق بمادة كما مر. فيكون هي- أي المعقول لمقارنتهما- الحادث المادي مادية، هذا خلف، و يلزم من هذا- أي من كون كل واحد من العقول مستلزما لجملة- ما لا بد منه في تأثيره لعقل آخر تال له أزليّتها لأن المعلول يجب وجوده عند وجود علته التامة.
و أما كونها أبدية، فلأنه لو انعدم شيء منها- أي من العقول- لانعدم أمر من الأمور المعتبرة في وجودها ضرورة استلزام انتفاء المعلول انتفاء علته التامة و إلا للزم وجود الملزوم بدون وجود اللازم و هو محال، فيكون الباري أو شيء من العقول قابلا للتغيير و الحوادث. هذا خلف، بل تغير شيء منها يؤدي إلى تغير في الأول تعالى و هذا مع ما يلزم منه في أن يكون في ذاته تعالى جهتان: فاعلية و قابلية، و قد برهن على استحالتهما في حقه تعالى، يلزم أن يكون له محرّك و مغيّر إلى الأشياء لأن حدوث الحادث لا يخلو عن حركة و محرك، فيلزم أن يكون له العالم جسما، و هذا مما لزم على القائل يكون الباري تعالى ذا إرادات متجددة سواء صرّح بجسميته أو لا، تعالى عمّا يقول الظالمون و يلحدون علوّا كبيرا.
فصل في كيفية توسط العقول بين الباري و بين العالم الجسماني
المراد بالعالم الجسماني مجموع الأجسام البسيطة و المركبة مع نفوسها و صورها.
و قد مر إن الواجب واحد من كل جهة مقدس عن اشتماله على حيثيات و اعتبارات متكثرة، و إن معلوله الأول هو العقل المحض بلا شائبة القوة، و الاستعداد و التغير و الحركات التي لا تحصل إلا في المواد و الأبعاد و الأفلاك معلولات للعقول. لكن