شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٥
قلت: هذا نحو من الاستدلال يحسن به مخاطبة الجمهور ممن قصرت أنها مهم عن إدراك الغايات الحقيقية و مبادئها، و قد مر أن لكل فعل غاية و ثمرة سواء كان مع الروية أو بدونها. هذا و قد استوضح من تضاعيف ما ذكرناه أن المبدأ الأول هو الذي ابتدأ الأمر و إليه ينساق الوجود. و انكشف أنه هو الغاية القصوى المعنيين، كما أنه الفاعل و العلة الغائية للكل. و الفرق بين المعنيين بوجهين:
أحدهما: بحسب الذاتية و العرضية و الآخر بحسب الوجود العيني لذاته، و التحقّق العرفاني لغيره فهو الأول. بالإضافة إلى الوجود إذ صدر منه و له الكل على ترتيبه واحدا بعد واحد و هو الآخر بالإضافة إلى سير المسافرين إليه فإنهم لا يزالون مترفين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك الحضرة فيكون ذلك آخر السفر، فهو آخر في المشاهدة أوّل في الوجود. و اللّه عز و جل حيث أنبأنا عن غاية وجود العالم بالمعنى الثاني قال: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف» فدلنا على أنه غاية القصوى لوجود العالم معروفا كما أنه الفاعل و العلّة الغائية له موجودا، كما دلنا على بعض الغايات المتوسطة بقوله: «لو لاك لما خلقت الأفلاك»، فالغاية الأخيرة بالمعاني الثلاثة لوجود العالم إنما هي وجوده تعالى و لقائه الآخرة، لذلك بنى العالم و لأجله نظم النظام و إليه ينساق الوجود: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [١].
ثم اعلم أن المصنف ذكر من أحكام العلة مسألتين:
أحدهما: إن العلة الفاعلية متى كانت بسيطة لا تركيب فيها أصلا سواء كان بحسب الخارج أو بحسب العقل، فإذا كانت ذاته بحسب حقيقتها البسيطة علة لشيء كانت ذاته محض علة ذلك الشيء بحيث لا يمكن تحليلها إلى ذات و علة لتكون عليّتها لا بنفسها من حيث هي، بل صفة زائدة أو شرط أو غاية أو وقت أو غير ذلك، فلا يكون مبدأ بسيطا بل مركبا. فالمراد من الفاعل البسيط حقيقته التي بها يتجوهر ذاته هي بعينها كونه مبدأ لغيره و ليس ينقسم إلى شيء بأحدهما تجوهر ذاته و بالآخر حصول شيء آخر عنه كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما و هو النطق و نكتب بالآخر و هو صنعة الكتابة فإذا كانت العلة بسيطة بهذا المعنى استحال أن يصدر عنها أكثر من الواحد. لأن ما يصدر عنه أثران، فهو مركب. لأن كون الشيء بحيث يصدر
[١] سورة الشورى، الآية: ٢٤.