شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٦١
و اجتنبوا رين الشرك و الشك لصفاء قلوبهم و زكاء نفوسهم و بقاء نورهم الفطري فلم ينقضوا عهد اللّه. و الفرق بينهما بأن المحبوب يحتاج إلى هداية اللّه بعد الجذب و الوصول لتكميل ذاته و سلوكه في اللّه كقوله تعالى لحبيبه عليه السلام: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [١] و قوله: وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [٢].
و المحب يحتاج إلى الهداية و التوفيق لسلوك سبيل اللّه قبل الوصول، و لسلوكه في اللّه بعد الوصول. فقد علم إن مدار الشقاوة التي توجب الهلاك السرمدي على ضرب من الجهل و هو المركب الراسخ. فضرب من الشرارة و هو المضاد للملكة الفاضلة لا الجهل البسيط و الأخلاق الخالية عن غاية الشرف و الشرارة، فإن شقاوتها منقطعة، بل ربما لا تقتضي الشقاوة، بل الخلو عن الكمال مع سعادة ما ناقصة.
و تفصيل ذلك: إن فوات كمالات النفس أما لأمرا عدمي كنقصان غريزة العقل، أو وجودي كوجود الأمور المضادة للكمالات و هي إما راسخة أو غير راسخة، و كل واحد من الأقسام الثلاثة إما أن يكون بحسب القوة النظرية، أو القوة العملية، فيصير سنة. فالذي بحسب نقصان الغريزة في القوتين معا فهو غير منجبر بعد الموت و لا عذاب بسببه أصلا، و الذي بسبب مضاد راسخ في القوة النظرية كالجهل المركب الذي صار صورة للنفس غير مفارقة عنه فغير منجبر أيضا لكن عذابه دائم. و أما الثلاثة الباقية- أعني النظرية غير الراسخة- كاعتقادات العوام و المقلّدة و العملية الراسخة و غير الراسخة كالأخلاق و الملكات الرديّة المستحكمة و غير المستحكمة، فيزول بعد الموت إما لعدم رسوخها و لكونها هيئات مستفادة من الأفعال و الأمزجة فيزول بزوالها لكنها تختلف في شدة الرداءة و ضعفها و في سرعة الزوال و البطأة، فيختلف العذاب بها في الكم و الكيف بحسب الاختلافين. و هذا إذا عرفت النفس إن لها كمالا فانيا، فإنها أما لاكتسابها ما يضاد الكمال، أو لاشتغالها بما يصرفها عن اكتساب الكمال أو لتكاسلها في أقسام الكمال، و عدم اشتغالها بشيء من العلوم. و أما النفوس السليمة الخالية عن الكمال و عمّا يضاده و عن الشوق إلى الكمال، فتقع في سعة من رحمة اللّه تعالى إلى سعادة تليق بها غير متألمة بما يتأذى به الأشقياء.
[١] سورة الفرقان، الآية: ٣٢.
[٢] سورة هود، الآية: ١٢٠.