شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٥
و فوق ذلك مرتبة رجع فيها إلى الصحو بعد المحو و نظر إلى التفصيل في عين الجمع و وسع صدره الحق و الخلق فهو أهش خلق اللّه ببهجته، فإنه فرحان بالحق و بكل شيء لأنه يشاهد الحق فيه و بالحق يرى كل شيء و يسمع و يذوق و يشمّ و يجد طعم الحق و رائحته في كل شيء لا على وجه يوجب التكثر و التجسم.
قال المحقق الطوسي في «شرح مقامات العارفين و درجاتهم»: العارف إذا انقطع عن نفسه و اتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، و كل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات، و كل إرادة في إرادته التي لا يتأتى عليها شيء من الممكنات بل كل وجود و كل كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه، فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر، و سمعه الذي به يسمع، و قدرته التي بها يفعل، و علمه الذي به يعلم، و وجوده الذي به يوجد، فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق اللّه بالحقيقة عنده. انتهت ألفاظه، و قد نوقش في ذلك التفريع و ترتبه على ما سبق ثم، بأن صيرورة صفاته تعالى صفات العبد مع أنه غير لازم مما ذكره مخالف للشرع و العقل، فإن صيرورة صفات الحق التي هي عين ذاته بالحقيقة صفات العبد مستلزم لكون الواجب صفة للممكن تعالى عنه علوّا كبيرا.
أقول: يمكن لنا دفع هذه المناقشة بتمهيد مقدمة هي أن العارفين بأحوال العالم و مبدأه على أصناف ثلاثة:
الصنف الأول: و هم المحجوبون قائلون بأن العالم المشتمل على جميع العقول و النفوس و الأفلاك و العناصر و المواليد أمر فائض عن المبدأ الأعلى موجود بوجود فائض عنه مباينا لذات الحق الذي هو فاعل الكل، فعندهم [تكميل] النفوس الإنسانية بالتخلق بأخلاق اللّه تعالى ليس إلا صيرورتها متّصفة بالصفات التي تناسب صفات المبدأ الأعلى من العلم و القدرة و غيرهما.
و الصنف الثاني: و هم الصوفية من أهل الوحدة قائلون بأن ليس في الوجود إلّا الوجود الحقيقي و العالم ليس [الّا] شئونه و ظهوراته و تعيناته فعندهم تكميل النفوس لا يكون إلا بأن تيقّنوا و علموا أن الحال كذلك.
و الصنف الثالث: و هم الراسخون في العلم من الحكماء قائلون بأن العالم ليس عبارة عن الممكن الصرف و لا عن الوجود الحقيقي الصرف [بل] من حيث هو موجود