شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٧
مجردا نورانيا- كما ستطّلع عليه إن شاء اللّه- و الآخر جرما كثيفا ظلمانيا قد صارت متخلقة بأخلاقه متصفة بأوصافه من السمع و البصر و الشهوة و الغضب و غيرها بالحقيقة حتى يصح لك أن تقول: سمعت و أبصرت و اشتهيت و غضبت بحسب الحقيقة اللغوية لا بالمجاز، و تلك العلاقة طبيعية حاصلة بين النفس و البدن أشارت لأجلها إلى البدن بأنّا حتى إن أكثر الناس نسوا أنفسهم و ظنوا أن هوياتهم هي البدن و هذه العلاقة مع كونها علاقة ضعيفة عرضية ستنقطع إذا كانت حال النفس لأجلها هذه الحال من الاتصاف بصفات البدن حقيقة لا مجازا لغويّا مع أن صفات البدن ليست عين البدن، فلا مانع من أن يحصل للنفس مع الباري علاقة شوقية ذاتية و قد تجرّدت عن البدن و اتصلت بالحق اتصالا لاهوتيا و انفصلت عما سواه توجب تلك العلاقة الشديدة أن يشير إلى مبدأها بأنها [بأنا] إشارة روحانية، فلها أن تشير إلى ذاته تعالى الذي هو عين صفاته من السمع و البصر و القدرة بأنه سمعي و بصري و قدرتي به أبصر الأشياء و به أسمع و به اقتدر كما وقع في الحديث القدسي، فقد تحقق لها التخلق بأخلاق اللّه بالحقيقة لا بمعنى صيرورة صفاته تعالى عرضا قائما بالنفس بل بمعنى علاقة أخرى أتمّ من علاقتها مع الصفات الكونية البدنية و غيرها، فاندفع الإيراد عن كلام ذلك المحقق على طريقة المحجوبين أيضا كما يندفع عنه على الطريقين الأخيرين و تمام الاطلاع على هذا المقام يحتاج إلى سلوك طريقة الأبرار لا الاقتصار على مجرد الأنظار.
و لما بيّن المصنف النفس الناطقة و مراتبها أورد بعد ذلك أحكاما ثلاثة أحدها أنها مجردة في ذاتها فقال: «و اعلم أن القوة العاقلة مجرّدة عن المادة، إذ لو كانت جسما أو حالا فيه لكانت ذات وضع بالذات، فإما أن لا ينقسم بالأجزاء المتباينة في الوضع أو ينقسم لا سبيل إلى الأول، لأن كل ما له وضع بالذات فهو منقسم على ما مر في نفي الجزء». و أما أن النفس لو كانت مادية لكانت ذات وضع فلتجوهرها لكونها مما يتوارد عليه الأعراض من الصفات و الأخلاق و كل ما كان كذلك كان جوهرا و لا سبيل إلى الثاني، لأن معقولاتها إن كانت بسيطة يلزم انقسامها لأن التعقل يستلزم حصول الشيء و حلوله في المدرك. و الحال في المنقسم لا بد و أن يكون منقسما لأن الحال في أحد جزئيها غير الحال في الجزء الآخر و إن كانت مركبة، و كل مركب إنما يتركب من البسائط ضرورة امتناع تركيب الشيء من أجزاء غير متناهية فيلزم انقسام تلك