شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٦
بالوجود الحقيقي له اعتبار و من حيث أنه ينقسم إلى العقول و النفوس و غيرها له اعتبار آخر، فالعالم زوج تركيبي من الممكن و السنخ الباقي الذي هو بداية موجود و وجود، فليس العالم عبارة عن الذوات المتعددة كما حسبه المحجوبون، بل ذاته واحد و هو الحق الذي هو الوجود الحقيقي و لا وجود للممكنات إلا بارتباطها به لا بأن يفيض عليها وجودات مغايرة للوجود الحقيقي، و برهان ذلك مذكور في كتابنا المسمى «بالأسفار الأربعة»، و تكميل النفوس عندهم يكون بالعلم اليقيني بأن لا موصوف بالوجود و لا بالصفات الكمالية إلا الحق و أن الصفات التي لها شائبة النقص فهي ترجع إلى الهيئات الإمكانية و لوازم المهيات الجوازية التي لا حقيقة لها كموصوفاتها من حيث [هو] موصوفاتها إذا تمهد ما ذكرناه.
فنقول: إن كلامه قدس سرّه ليس مقصورا على مذهب المحجوبين بل مبنى كلامه على مذهب طائفة لم يروا في الوجود إلا اللّه و فيضه و لا أن لفيضه وجودا بالانفراد، بل العوالم كلها أشعة و أنوار و أضواء و آثار للذات الأحديّة النورانيّة [الواجبية] إذ الوجود كله من شروق نوره و لمعان ظهوره كما هو مشاهد من الشمس المحسوس الذي هو المثل الأعلى له في السموات و الأرض، إلا أن بين الأشعتين فرقا و هو أن أشعة شمس العقل أحياء عقلاء ناطقة فعالة و أشعة شمس الحس أعراض و أنوار لغيرها لا لذاتها غير أحياء عاقلة فاعلة.
فالمراد من قوله قدس سره: «فصار العارف متخلقا بأخلاق اللّه» بالحقيقة أنه لم يبق في نظر كشفه و شهوده في هذه المرتبة التي هي مرتبة [فناء] هويته و اضمحلال عينه إلا الوجود الحقيقي الذي هو مستقل في الوجود و صفاته الكمالية فصارت صفاته و جميع الصفات الكمالية راجعة إلى صفاته تعالى التي هي عين ذاته كما أن ذاته و جميع الذوات الإمكانية صارت مستهلكة عنده في الذات [الاحدية الواجبية] فلم يبق له ذات و صفات إلا الواجب تعالى و صفاته التي هي عين ذاته فصار ذاته [ذاته] و صفاته [صفاته] بمعنى الانمحاء [و الاضمحلال] لا بمعنى الاتحاد و الاتصال كما يفهمه ضعفاء العقول، فصار متخلقا بصفات اللّه و أخلاقه لا بالمجاز المشهوري بل بالحقيقة، و حينئذ يندفع عنه الاعتراض بأنه مخالف للنقل و العقل كما لا يخفى على المتأمل.
و لنا أيضا أن نصحح كلامه و نحقق مرامه موافقا لمذهب المحجوبين من العقلاء بأن نقول: لا شبهة في أن النفس الناطقة مع مباينتها للبدن و كون أحدهما جوهرا