شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٧
بذاته، لكن ذاته لا يتأثر عنها و لا ينفعل بها كما سبق تصويره.
الرابع: إن استدلاله على أن علم الباري بهذه الصور ليس علما كماليا بكونه تابعا لفيضان تلك الصور غير صحيح لما سبق مرارا من أن علمه تعالى بتلك الصور عين فيضانها عنه معقولة، لا أنه تابع لذلك و إن كان مراده إن نفس تلك الصور ليست كمالا له.
فنقول: و من الذي أنكر هذا؟ فإن الفلاسفة القائلين بالصور في علمه تعالى ينادون إن وجود تلك الصور و صدورها ليس كمالا له [بل كماله] في أنه يتبع عقله لذاته [عقله] للأشياء الخارجة عن ذاته.
الخامس: إن قوله: فعلى تقدير انحصار العلم المتقدم في فيضان الصور المنكشفة لزم أن لا يكون للذات علم هو كمال ذاتي ليس بقادح فيما هم بصدده، إذ لا ينحصر علمه تعالى عندهم في الصور، بل يثبتون للباري علما كماليا هو عين ذاته و هو العقل البسيط الذي هو مبدأ المعقولات المفصّلة كما بينه الشيخ الرئيس في «كتاب النفس» من «الشفاء»، و كيف أنكر أحد من معتبري الفلاسفة كون ذاته تعالى بحيث يصدر عنه المعقولات مفصلة سواء كانت عينية أو ذهنية.
فهذه جملة من أقوال القادحين في تقرير رسوم المدركات في ذاته تعالى مع ما سنح لنا من الدفع و الإتمام و النقض و الإبرام.
فإن قلت: فما الذي تراه و تعتقد في ذلك من الصحة و الفساد و الحقية و البطلان؟
أقول: الفساد و البطلان بوجوه أخرى غير ما ذكر الأول ما ألهمت به و هو إنه لو كان علمه تعالى بالأشياء بحصول صورها في ذاته، فلا يخلو إما أن تكون تلك اللوازم لوازم ذهنية له، أو لوازم خارجية له، أو لوازم له مع قطع النظر عن الوجودين. لا سبيل إلى الأول و الثالث، إذ لا يتصور للواجب تعالى إلا نحو واحد من الوجود و هو الوجود الخارجي الذي هو عين حقيقته، و اللوازم الخارجية لا تكون إلا حقائق خارجية لا ذهنية. إذ اللازم من جهة اللزوم تابع للملزوم و ذلك خلاف ما فرضناه، لأن الجواهر الحاصلة في ذاته تعالى على الفرض المذكور جواهر ذهنية و كذا الأعراض الحاصلة فيه، و إن كان الكل مما يعرض لها في الخارج مفهوم العرض كما سلف تحقيقه فلا تذهل، و تأمل فيه.