شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٠
كانت هذه المفارقات أكثر عددا. و كان على مذهب المعلّم الأول قريبا من خمسين فما فوقها و آخرها: العقل الفعّال، و قد علمت من كلامنا في الرياضيات مبلغ ما ظفرنا به من عددها.
أقول: لا يخفى إن قول الأول لا يخلو من فساد، لأنك قد علمت إن الطبيعة و القوة و الصور النوعية في البسائط متّحدة بالذات، متغايرة بالاعتبار. و قد علمت أيضا إن الأجسام لا يتقدم بعضها على بعض بالعلية و الإيجاد، اللهم إلا بالزمان و الأعداد، و إن تأثير قواها ليس إلّا بمشاركة الوضع، فلا يتصور توسط الحجم في إيجاد الصور الجوهرية لجسم آخر و خصوصا في الإبداعيات التي صورتها نفسها على أصولهم مع إن الصورة النوعية لجسم متقدمة على هيولاه، و هيولى الفلكيات لا يتصور بصورة بعد أخرى، و مفسدة إمكان الخلاء عائدة أيضا. فلا بد لهم من القول بكثرة العقول فوق عشرة كما هو المشهور، و لا يبعد أن يكون سبب الشهرة أحد أمرين:
أحدهما: إنه لما كان عدد العقول مما لزم عندهم من عدد الأفلاك و عددها بحسب ما وجدوه في أول الأمر تسعة، فعدد المفارقات على هذا التقدير كان عشرة، تسعة بإزاء الأفلاك و واحد للعناصر. ثم لما ظهر لهم بنظر أدق في أحوال الأفلاك و اختلافها أيضا في السرعة و البطء و الاستقامة و الرجعة و القرب إلى الأرض و البعد عنها، و اختلافها أيضا في مبدأ عوداتها الطولية و العرضية و القريبة و البعدية إن عددها أزيد مما وجدوه أولا، حكموا بزيادة العقول أيضا على ما حكموا به أولا بعد ما استمرت الشهرة بعشرية عددها كما استمرت بتسعية عدد الأفلاك.
و ثانيهما: إن لكل جملة من الأفلاك يكون جملة من العقول سيدها و مفيضها واحد منهما، كما إن لكل جملة من السماويات فلك كلي شامل لها محيط بها قاسم العدد باعتبار السادات من العقول و الكليات من الأفلاك لا باعتبار الأتباع منهم و الجزئيات منها.
الثاني: إنه لا يمكن الجزم بأن الصادر عن العلة الأولى يصدر عنه الفلك الأقصى.
الثالث: إنه ليس في كلامهم ما يدل على أن العقول متوالية في الترتيب بحسب توالي الأفلاك.