شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٢
لها، بل الغاية في تحريكها لموادها هي كونها على أفضل ما يمكن لها ليحصل لها التشبّه بما فوقها كما في تحريكات نفوس الأفلاك أجرامها بلا تفاوت، انتهى.
و من هاهنا يتفطّن العارف اللبيب بأن غاية جميع المحركات من القوى العالية و السافلة في تحريكاتها هو الفاعل الأول من جهة توجه الأشياء المحركة إليه دون ما تحتها فيكون غاية بهذا المعنى أيضا. و بهذا ظهر سرّ قولهم: لو لا العشق [العالى] لانطمس السافل، ثم لا يخفى عليك أن فاعل التسكين كالطبيعة الأرضية كفاعل التحريك من القوى السماوية و غيرها في أن مطلوبه أيضا ليس ما تحته في الوجود كالأين مثلا بل غايته و مطلوبه كونه على أفضل ما يمكن في حقه كما أشار إليه الفارابي بقوله: صلت السماء بدورانها و الأرض برجحانها.
فإن قلت: الغاية و إن كانت بحسب السيئة متقدمة على الفعل لكن يجب أن يكون بحسب الوجود متأخرة عنه مترتبة عليه، فلو كان الواجب تعم فاعلا و غاية لزم أن يكون متقدما على وجود الممكنات بالذات و متأخرا عنها كذلك.
قلت: تأخر الغاية عن الفعل وجودا إنما يكون إذا كانت من الكائنات، و أما إذا كانت مما هو أرفع من الكون، فلا يلزم بل الغاية في الإبداعيات تتقدم عليها علما و وجودا باعتبارين. و في الكائنات تتأخر عنها وجودا و إن تقدمت عليها علما.
فنقول: الواجب تعالى أول الأوائل من جهة كونه علة فاعلية لجميع الممكنات و علة غائية و غرضا لها و هو بعينه آخر الأواخر من جهة كونه غاية و فائدة تقصده الأشياء و يتشوق إليه طبعا و إرادة لأنه الخير المحض و المعشوق الحقيقي، فمصحح الاعتبار الأول نفس ذاته بذاته و مصحح الاعتبار الثاني صدور الأشياء عنه على وجه يلزمها عشق نقيضي حفظ كمالاتها الأولية و شوق إلى تحصيل ما تفقد عنها من الكمالات الثانوية ليتشبه بمبدئها بقدر الإمكان.
و قد علمت الفرق بين الغاية الذاتية و العرضية، فإن قلت: لما ثبت أن كل فاعل يفعل لغرض غير ذاته فهو فقير إلى ذلك الغرض مستفيض يحتاج إلى ما يستكمل به، و المكمل يجب أن يكون أشرف و أعلى منه فغرض الفاعل يجب أن يكون ما هو فوقه و إن كان بحسب الظن فليس للفاعل غرض حق فيما دونه و لا قصد صادق لأجل معلوله و إلا لكان القصد معطيا لوجود ما هو أكمل منه و هو محال. و لكنا نرى تحقق