شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٨١
و منهم من ارتكب هذا التغير في حضور الأشياء الكائنة الفاسدة و شهودها عند الواجب تعالى، معتذرا بأن هذا التغير لا يوجب تغيرا في الذات و لا في العلم الكمالي الذاتي، بل التغير إنما يكون في النسب و الإضافات الاعتبارية، و مثل ذلك مثل من اطلع على ما في كتاب دفعه ثم التفت إليه صفحة بعد صفحة و سطرا بعد سطر، فإن العلم بما في الكتاب لا يتغير بحدوث تلك الالتفاتات. هذا و العمدة ما ذكرناه أولا، فقد ثبت و تحقق من تضاعيف ما ذكرناه في هذا الشرح إن القول بإثبات الصور للواجب تعالى و تقرير رسوم المدركات في ذاته تعالى قول فاسد و معتقد رديء و رأي سخيف و تجاسر في حق المبدأ الأعلى على جلّ كبرياؤه عن ذلك و علا علوّا كبيرا.
و تحقيق الحق في كيفية علم اللّه تعالى على الوجه الحق الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ [١] يطلب عندنا. و قد أوردنا طرفا منه في كتاب «المبدأ و المعاد»، و لعمري إن إصابة الحق في هذا الأمر الجليل على الطريق الذي يوافق الأصول الحكمية و يطابق القواعد الدينية متبرئا عن المناقشات و منزها عن المؤاخذات في أعلى طبقات القوى الفكرية، و هو بالحقيقة تمام للحكمة الإلهية الحقة قلّ من اهتدى إليه سبيلا و لم تزلّ قدمه فيه.
و ها هو الشيخ الرئيس مع جلالة قدره و نباهة ذكره و براعته في العلوم و ذكائه الذي لم يعدل به ذكاء، كيف زلّ قدمه و ضلّ عقله حتى رضيت نفسه بتجويز ارتسام الحقائق في ذاته تعالى، و تسويغ كون مبدأ غاية و أوائل مفطوراته أمورا ذهنية ضعيفة الوجود و كون ما يوجد بتوسطها أقوى منها. مع أن العلة و المقدم في الوجود يجب أن يكون في باب الموجودية، و القوام أقوى تحصّلا و أكد تقوّما و أشد استقلالا من معلولها و ما يتأخر عنها في الوجود و الانصاف إن طريقة شيخ الإشراق و متابعيه أقرب إلى الحق من طريقة غيره من الحكماء و غيرهم في باب العلم، كارتسام الصور الذي قال به الشيخان و أتباعهما و وجود المثل التي قال بها أفلاطون الإلهي، و اتحاد العاقل و المعقول الذي ذهب إليه فرفوريوس و متابعوه من المشائين، و ثبوت المعدومات سواء نسب إلى الخارج كما زعمته المعتزلة، و إلى الذهن كما زعمه بعض مشايخ الصوفية مثل الشيخ العارف محيي الدين العربي و تلميذه الشيخ المحقق صدر الدين القونوي على ما نقل عنهم، أو العلم الإجمالي الذي اكتفى به أكثر المتأخرين و تلك الطريقة-
[١] سورة فصلت، الآية: ٤٢.