شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٤
القوتين النظرية و العملية للنفس، فإذا أدركت كمالاتها العلمية و العملية من حيث إنها كمالاتها مؤثرة عندها إدراكا تاما من دون العلائق البدني التذت بها لا محالة، و هذا الإدراك على وجه التمام حاصل لها بعد الموت. و إنما قلنا: إن هذا الإدراك حاصل لها بعد الموت، لأن النفس بعد تحصيل المعقولات و صيرورتها عقلا بالفعل يتكرر ارتسامها و حصولها لها حتى يصير ملكة لا تحتاج النفس في تحصيلها إلى تجشم كسب جديد، بل بتوجهها إلى العقل الفعّال و اتصالها به، و قد حصلت لها ملكة الاتصال لا تحتاج في تعقلاتها إلى الآلة الجسدانية، فتكون تعقلاتها حاصلة بعد الموت و فساد الآلات البدنية.
و قد ذكرنا إن المعرفة إذا اشتدت بسبب شدة القوة الداركة و زوال المانع عن الإدراك انقلبت مشاهدة، فتكون اللذة للنفس بسبب إدراك المعارف العقلية على الوجه الأكمل حاصلة بعد الموت، و عدم حصولها- أي عدم حصول اللذة بالتعقلات الحقة- حالة تعلق النفس بالبدن و قواه الماديّة، إنما كان لقيام المانع من الإدراك التام للملائم المصحوب للذة أو عنها و هو التعلقات البدنية و العلائق الجسمانية.
فإن القدر الذي تناله النفوس من البهجة بالمشاهدة مختف عليها حين التشغل بالبدن المانع للمشاهدة، فإن البهجة تابعة للمشاهدة بل عينها فحيث يخفى قدر المشاهدة يخفى قدر اللذة و البهجة كقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [١]. و ما تجده النفس حال الإدراك عند انحلال الشبهات و استيضاح المطلوبات، فإنه ليس بلذة الإدراك الشهودي، بل هو شيء قليل و شائبة من اللذة العقلية نسبته إليها كنسبة الالتذاذ الحسي بوصول رائحة المذوقات اللذيذة للطعم إلى الالتذاذ بتطعمها. و مع هذا كثيرا ما يكون الإنسان متفكرا في أمر يهمه من المعقولات و عرض له أمر شهودي عظيم في بابه و خير بين الظفرين استخفّ بالشهوة إن كان كبير النفس. فالقدر الذي تناله النفس من اللذة بسبب المشاهدة و إن كان خافيا له في هذه الدار الدنياوية لكنه من المعلوم إنها إذا ارتاحت في هذه النشأة بذكر اللّه و صفاته و معرفة ملائكته و كتبه و رسله، لكان بينها و بين هذه الأمور مناسبة شديدة تؤذن بنيلها من البهجة و السعادة عند الفراغ من البدن قدرا يعتدّ به و خصوصا إذا تزينت في النشأة
[١] سورة السجدة، الآية: ١٧.