شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٢
بحصول المدرك و وجوده إذا لم يكن مصحوبا بشر أو عدم كمال آخر لها، بل من حيث هو وجود له، فإن الوجود من حيث هو وجود إدراكه و نيله لذة بالشرط المذكور، فنسبة المدرك إليها نسبة صورة الكتاب إلى اللوح. و أما إدراك نفوس الأفلاك فليس فيها انفعال لا في الآلة و لا في القوة كما علمت، و لكل قوة مدركة لذة بحسبها كالحلو عند الذوق، و النور عند البصر، و النعومة عند اللمس، و التمني عند الخيال، و الانتقام عند الغضب.
و قد أشرنا سابقا إلى إن كل واحد من هذه المحسوسات ملائم للنفس بوجه من الوجوه، و ليس يلزم أن يكون كل محسوس ملائما للآلة المتعلقة به، و الملائم للنفس الناطقة من جهة قوتها النظرية إدراك المعقولات بأن يتمكن النفس من تصور قدر ما يمكن أن يتبين من الحق الأول تعالى، فإن إدراكه على ما هو عليه و الاكتناه بذاته غير ممكن، إذ لا يمكن للممكن مشاهدة ذاته تعالى إلا من وراء حجاب أو حجب، حتى المعلول الأول فهو أيضا لا يشاهد ذاته، إلا بواسطة مشاهدة نفس ذاته فيكون شهود الحق له بحسب شهود ذاته. و هذا لا ينافي الفناء الذي ادّعوه، فإنه يحصل بترك الالتفات إلى الذات و الإقبال بكلية الذات إلى الحق الأول تعالى. و ترك الالتفات إلى الذات لا يستلزم نفي العلم بها مطلقا، كما إن العالي من المبادي لا يلتفت إلى السافل، و لكن يعلمه.
و الحاصل: إن كل قوّة يدرك الحق الأول بقدر ما يسع ذاتها من نيله و يحجب عنه الحق بقدر قصوره و نقصه، فلا حجاب عن شهود الحق حين التجرّد عن العلائق إلا قصور الذوات، و نقص درجة الوجودات عن كمال الحق و جماله و درجته في الوجود، فالحجب بقدر مراتب القصور و الإعدام، لكن لا شعور للنفوس و العقول إلا بكمالاتها لا بقصوراتها، و بما لا يكون موجودا لها من الكمالات، كما لا يشعر العقول الفعالة بقصورها في وجود ذاتها عن رتبة الأول تعالى و درجة وجوده و إنه واجب الوجود لذاته في جميع جهاته- أي كل ما يتصور في حقه و يليق بجناب الربوبية- يكون حاصلا له من جهة ذاته بلا جهة إمكانية في ذاته برئ عن النقائص و الشرور الآفات، فإن منبعها الإمكانات و القوى، و الإمكان ينافي الوجوب منبع لفيضان الخير على الوجه الأصوب في نظام الوجود بحيث لا يتصور ما هو أعلى و أصوب مما قد فاض عنه من النظام. ثم إدراك ما يترتب بعده من العقول المجرّدة و النفوس الفلكية