شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٣
هو أنّا كيف تحركنا إذا كانت القوس ظاهرة رأيناه معنا، و هذا خاص بالأمور المتخيلة لأن القوس لما كانت أمرا موجودا قائما بذاته لم ينتقل بانتقالنا و كانت يكون بخلاف حركتنا فيكون إذا انتقلنا يمنة و يسرة و إذا انتقلنا يسرة يمنة و أيضا فإنّا إذا دنونا من القوس بمقدار ما دنت هي أيضا من مثل ذلك المقدار مثل أن يكون بيننا و بينها ألف ذراع مثلا، فيتحرك نحوها مائة ذراع فيحصل بيننا و بينها ثمانمائة ذراع و هذا خاص بالأمور المتخيلة التي تكون في المرايا. و مما يشهد بهذا القول و يصدقه القوس الحادثة حول السراج في أيام الشتاء إذا كان الهواء فيه نداوة فإنه يعرض لمن بعينه رطوبة أو يضعف بصره أن يرى حول السراج دوائر ألوانها مقزحة و ذلك لأن الدخان الذي يرتفع من السراج يصير كالمرآة فيمنع البصر عن الخط النّير على استقامة فينعكس من المرآة- أعني البخار المتصاعد من السراج إلى النّير- من جميع الجهات، فيتخيل كالدائرة فيها تقزيح فإذا حدق أو قرب من النير لم ير تلك الدوائر، و كذلك أيضا إذا نظرنا إلى الشمس و حدقنا إليها تحديقا شديدا ثم أغمضنا أعيننا رأينا ألوانا قوسية فإذا كان من الجائز أن يتخيل كهيئة القوس خيالا لا يستند إلى وجود شيء لم يمنع مانع أن يكون هذا جائز في القوس الحادثة عن غمام، و اختلاف ألوانها بسبب اختلاط ضوء النير و ألوان الغمام المختلفة توضيح لمقام يستدعي مقدمتين:
الأولى: أن سائر الألوان المتوسطة بين الأسود و [او] الأبيض إنما تحدث عن اختلاط هذين اللونين و بالجملة الأبيض إذا رؤي بتوسط الأسود و بمخالطة الأسود حدثت عن ذلك الألوان الأخر، فإن كان النير هو الغالب رؤي الأحمر و إن لم يكن غالبا رؤي الكراثي و الأرجواني و غلبته في الكراثي أكثر و في الأرجواني أقل.
الثانية: أن اللون الأسود هو بمنزلة عدم الإبصار، لأنّا إذا لم نر الشمس و المضيء ظننا أننا نرى شيئا أسود، فالمكان من الغمام الذي يكون الأبيض فيه غالبا على الأسود نراه أحمر و المكان الذي يكون فيه الأسود نراه غالبا أرجوانيا، و المكان الذي فيه الأسود بين الغالب و المغلوب نراه كراثيا. فإذا تمهدنا نقول: إذا رأى البصر النير بتوسط الغمام على تلك الشرائط رأى القوس على الأكثر ذات ألوان ثلاثة:
الأول منها: و هو الدور الخارج الذي يلي السماء أحمر لقلة سواده و كثرة بياضه.
و الثاني: و هو الذي دونه كراثي لتوسطه بين الأول.