شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢١٤
المتخالفة الحقيقة أو لاستعداد الصور و القوى و ما يتبعهما من الأشكال و المقادير و لتصير مثلا بالفعل بعد ما كانت مثلا بالقوة، و هاتان- أعني المولّدة و المصوّرة- تخدمهما الغاذية و النامية كما لا يخفى.
و كأنّ المصنف أنكر وجود المصورة تبعا للمحقق الطوسي، حيث أحال صدور هذه الأفاعيل العجيبة المحكمة عنها مع عدم شعورها، و الشيخ الغزالي حيث أسند فعلها بل فعل جميع القوى إلى ملائكة موكلة بصدور هذه الآثار تفعلها بالاختيار و لذلك لم يذكرها.
و أما القوى الأربع التي تخدم الأربع السابقة فهي المشار إليها بقوله: و الغاذية تجذب الغذاء و تملكه و تهضمه و تدفع ثقله فلها أربع خوادم: قوة جاذبة و ماسكة و هاضمة و دافعة للثقل. أما الاحتياج إلى الجاذبة فظاهر لامتناع وصول الغذاء بنفسه إلى جميع الأعضاء لكون بعضها عالية و بعضها سافلة، و الجسم لا يتحرك بالطبع إلا إلى جهة واحدة، و الدليل على وجودها أن الدم يكون في الكبد مخلوطا بالفضلات الثلاث- أعني البلغم و الصفراء و السوداء- ثم يتمايز و ينصب إلى كل عضو نوع من الرطوبة، فلولا أن في كل عضو قوة جاذبة لتلك الرطوبة اللائقة به لامتنع ذلك و وجودها في بعض الأعضاء معلوم بالحسّ كجذب الغذاء عند الحاجة من غير إرادة بل مع إرادة عدمه و خروج الحلو في آخر القي بعد غيره مع كونه متناولا أولا و جدب الرحم بعد الطمث و خلوّه عن الفضول باطن الإحليل إلى داخله جذب المحجمة الدم إلى داخلها كما يستشعر به الإنسان، و قد سمى بعضهم الرحم حيوانا مشتقا إلى المني و أما إلى الماسكة فلأن الغذاء لكونه بعيد المشابهة أولا لا يد فيه من الاستحالة حتى يحصلا الشبه و الاستحالة حركة في زمان و كل حركة في زمان فلا بد من زمان في مثله تحصل الاستحالة و التشبه و وجودها مشاهد في بعض الأعضاء كاحتواء المعدة على الغذاء احتواء قويا يمتنع معه سيلان شيء من ذلك الغذاء، و انضمام الرحم للولد انضماما شديدا لا يسع معه إدخال طرف الميل فيها على ما ظهر لأرباب التشريح.
و أما إلى الهاضمة فلأن إحالة المغيّرة الثانية إنما يكون لما قرب استعداده لحصول الصورة العضوية فلا بد له من فعل قوة يجعله قريب الاستعداد و هي الهاضمة. و أما إلى الدافعة فلتدفع ما لا يقبل المشابهة و إلا لأدى إلى السدد و ثقل البدن بل الفساد و الإفساد و وجودها ظاهر في حال القيء و التبرّز و إراقة البول.