شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٦
و تمكنت فيها الهيئات المضادة للكمال الحقيقي من الجهل المركب و إطاعة الشهوات، فيعرض لها الألم العقلي. و إنما لم يحصل لها ذلك الألم قبل الموت لاشتغالها بتدبير البدن و انغماسها في ظلمات الطبيعة و تغشيها بغشاوات الهيولى، فأنساها تلك العلائق و العوائق ذاتها و ما يخص بها من الكمالات و معشوقها الحقيقي، كما تنسى الأمراض الاستلذاذ بالحلو و يميل إلى المكروهات في الحقيقة و يقربها، كما يميل المريض إلى أكل الطين و يستلذ به بسبب الحالة القسرية كما أشرنا إليه سابقا. فحسب [حسبت؟؟] الذلة لذة و الجراحة راحة و النار نور و الظلّ حرارة [حرور]، فإذا فارقت البدن وصفت إدراكاتها لأجل زوال العائق عرض لها حينئذ من الألم بفقدان ما يعتقده كمالا و خيرا كفاء ما يحصل من اللذة العقلية التي ذكرنا عظم منزلتها، فيكون ذلك شقاوة و عقوبة لا يوازيها في الشدة تفريق الاتصال بالنار و تجميد البدن بالزمهرير، و ذلك إنما يكون لنفس اكتسبت الشوق إلى كمالها و جزم بأن كمال النفس بتصوّر المعقولات و حصول ماهية الكل دون الغافلين من العوام و النساء و الصبيان.
هداية:
قد علمت إن كمال النفس الناطقة بحسب جزئها النظري أن يحصل لها تصورات حقائق الأشياء و التصديقات اليقينية بوجوداتها و أحوالها، و هو كمالها الباقي معها و بحسب جزئها العملي التجرّد الفائق عن البدن و قواه، فالنفس الناطقة باعتبار جزئها النظري لا ينجى [يخلو] من أن تكون كاملة أو ناقصة، و على الثاني لا يخلو من أن يكون لها إلى الكمال شوق أم لا؟ و باعتبار جزئها العملي لا يخلو من أن تكون نقية عن الهيئات البدنية أم لا؟ و إذا اعتبر كل من حالتيها العملية إلى كل من الحالات الثلاث النظيرية انقسم كل منها إلى قسمين، وهما تلك الحالة مع نقاء النفس عن الهيئات المذكورة أولا معه.
فالمصنف أورد في هذه الهداية الحالة الأولى بقسميها و بيان مرتبة النفس مع كل قسم من مراتب السعادة و الشقاوة فقال: النفس الكاملة بالتصورات الحقّة و بالاعتقادات البرهانية إذا فارقت البدن و حصل لها مع ذلك الكمال العلمي التنزه عن العلائق الجسمانية و الهيئات الرديّة الظلمانية اتصلت بالعالم القدسي و انتظم مع الملائكة المقربين في حضرة جلال ربّ العالمين فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) [١] لا
[١] سورة القمر، الآية: ٥٥.