شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٠
إذا كان ذاته تعالى علة لذات المعنى الأول و عقله لذاته علة لعقله المعلول الأول، فلو كانت العلتان متغايرتين يلزم التركيب في ذاته، و إن كانت شيئا واحدا و حيثية واحدة يلزم أن يكون وجود المعلول الأول و عقل الواجب له شيئا واحد، له حيثية واحدة بلا اختلاف، لأن وحدة العلة بالذات و الاعتبار يوجب وحدة المعلول كذلك. فمع وحدة العلة كذلك كيف يكون لها معلولان متغايران تغايرا يوجب مباينة أحدهما عن علته و استقلاله في الوجود؟
و مقارنة الثاني لها و حلوله فيها كما حققه المحقق الطوسي في «شرح الإشارات».
و العجب إنه مع تفطّنه لهذا الأصل المتين و القاعدة القويمة كيف لم يتمم أعماله في انكشاف جميع الأشياء الصادرة عنه تعالى بذواتها لذاتها، بل اقتصر فيه على انكشاف العقول و الصور العقلية للأشياء الكلية و الجزئية عليه، و جعل الصور القائمة بالجواهر العقلية مناطا لعلم اللّه تعالى بالماديات و هو غير مرضي؟ بل الحق اطراد الحكم بالانكشاف الشهودي و الحضور العيني على جميع الأشياء المبدعة و الكائنة المعقولة و المحسوسة سواء كانت ذوات العقلاء أو علومهم، و سواء كانت القوى الخيالية و الحسيّة، و إدراكاتها الخيالية و الحسية فإن جميعها إنما يصدر عنه تعالى منكشفة عنده فلا يغرب عنه شيء من الأشياء لا باعتبار الشهود العيني و لا باعتبار الوجود العلمي، كما قال اللّه تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ [١] إشارة إلى النحو الأول، و قال تعالى: وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [٢] إشارة إلى النحو الثاني.
فإن قيل: فعلى ما ذكرت يلزم أن يكون للواجب علم لا يتغير و هو علمه بالأمور المتقدمة على الزمان و الدهر، و علم متغير و هو علمه بالأمور الكائنة الفاسدة و التغير في علمه تعالى مطلقا غير صحيح.
قلنا: هذه الأشياء و إن كانت في ذواتها أو بقياس بعضها إلى بعض متغيرة، لكنهما بالنسبة إلى العوالي و الشوامخ العقلية و إلى ما هو أعلى و أرفع منها في درجة واحدة في الحضور كما وقعت إليه الإشارة.
[١] سورة سبأ، الآية: ٣٤.
[٢] سورة سبأ، الآية: ٣٤.