شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٩
و أما ثالثا: فلأن ذلك يكون مناقضا لحدّة اللذة و الألم، فإنّ حدّ اللذة بأنها إدراك الملائم من حيث هو ملائم، و الملائم للقوّة الباصرة إدراك المبصرات لا اللامسة.
و أما رابعا: فلأن إدراك هذه المحسوسات أما أن يكون لذة و ألما للحواس أو لا يكون، فإن قال بالأول يكون إدراك البصر للألوان الحسيّة لذة، و إدراكه للألوان الموذية الما. و إن قال بالثاني فلا يكون للمس لذّة و الألم، و لا للشم و الذوق، و إن كان لذّة و ألما للبعض دون بعض كان ذلك ترجيحا من غير مرجح، و هو محال.
و ذلك لأن الحواس الخمس جميعها وسائط للنفس في إدراك المحسوسات الجزئية.
ثم قال: قال الإمام في كتاب «المباحث» حيث تكلم في اللذة عذرا عن الشيخ في خروجه عن مذهبه في هذا المقام في البصر و السمع: الألوان ليست ملائمة للقوة الباصرة فإنه يستحيل اتّصاف القوة الباصرة بالألوان و ذلك لأن الملائم للشيء هو الذي يكون كمالا له، و أقل درجات الكمال حصوله للشيء، بل إدراك الألوان هو الملائم للقوة الباصرة.
و الشيخ لم يجعل حصول الملائم هو اللذة، بل إدراك الملائم و القوة الباصرة إذا أبصرت فقد حصل لها الملائم لإدراكه فإن القوة الباصرة لم تدرك كونها مدركة للألوان، بل النفس هي المدركة لذلك، فإنها تدرك الأشياء و تدرك أنها أدركتها.
ثم قال: أقول على ما قاله الإمام يلزم أن لا يلتذ القوة اللامسة لأنه ليس لها أن تدرك أنها أدركت، فإن هذا للنفس على ما زعمه، و كان الكلام في القوة الذائقة و الشّامة و كل ذلك مناقض لمذهب الشيخ الذي قاله في «الشفاء و القانون» هذا كلامه بألفاظه.
و رد عليه العلامة الشيرازي في «شرح كليات القانون»: أما فيما ذكره أولا فبقوله:
إنّا لا نسلّم أنّ الشيخ و لا غيره من الحكماء الراسخين في الحكمة المتعالية ذهبوا و اعتقدوا أن المدرك للمحسوسات الجزئية هو الحواس الخمس، و إنما ذلك من أغلاط المتأخرين، كالإمام و من اقتفى أثره، و إلا فعند الشيخ لا مدرك و لا حاكم و لا ملتذ و لا متألّم غير النفس، و إطلاق هذه الألفاظ على الحواس يكون بضرب من المجاز، لكن لما كان الإحساس انفعال الحاسّة بل آلتها عن محسوسها الخاص بها وجب انفعال ألم كل حاسّة عن محسوسها الخاص بها و تكيّفها بذلك المحسوس، إلا أن انفعال بعض آلات الحواس و تكيّفها بمحسوسها يكون بحيث أن النفس تدركها حيث