شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٧
و أما المتصرفة فهي مرتبة في مقدم البطن، أي التجويف الأوسط من الدماغ و لها التصرف في السابق و اللاحق من موضعها باستخدام الوهم إياها من شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور و المعاني مع بعض و تفصيل بعضه عن بعض، فتجمع أجزاء أنواع مختلفة كجعلها حيوانا من رأس إنسان و عنق جمل و ظهر نمر و تفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس و لا تسكن عن فعلها دائما لا نوما و لا يقظة و هي المحاكية للمدركات و الهيئات المزاجية و تنتقل إلى الضد و الشبيه. فما في القوى الباطنة أشد شيطنة منها ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام أريد، فتسمى عند استعمال النفس لها إياها بواسطة الوهم بالمتخيّلة و عند استعمالها بواسطة القوة العقلية بالمفكرة بها يستنبط العلوم و الصناعات و تقتضي الحدود الوسطى باستقراض ما في الحافظة.
قال الشارح: فإن قيل: كيف استعملها الوهم في الصور المحسوسة مع أنه ليس مدركا لها؟ أجيب: بأن القوى الباطنية كالمرايا المتقابلة فينعكس إلى كل منها ما ارتسم في الأخرى.
أقول: و العجب أنه جعل مناط الإشكال استعمال الوهم إياها في المحسوسات مع أن الإشكال في استعمال العقل إياها في المعقولات أقوى. ثم الجواب عن ذلك بما ذكره غير تام، إذ ارتسام صور بعضها في بعض إن كان إدراكا لها بطل الحصر في الخمسة بل يكفي الأقل، و إن لم يكن ذلك إدراكا عاد الإشكال. فالصواب أن يقال:
لا يجب أن تكون القوة التي هي آلة التركيب الأمور مدركا لها حتى يمتنع أن تصير القوة الجسمانية آلة للقوة العقلية في تركيب المعقولات و تفصيلها، ألا ترى أن ما في اليد قد تصير آلة لترتيب الأجسام مع أنها غير مدركة فلها، فكأن هذه القوة يد معنوية للنفس الناطقة و معنى استعمالها في الترتيب الفكري أن النفس تقدم بعض ما فيه الانتقال الفكري على بعض آخر و لا محذور في ذلك أصلا، و مما يجب أن يميّز أنّ لكل واحدة من هذه القوى الإدراكية حامل خاص و موضع خاص. أما الحامل فهو جسم حار لطيف حادث عن لطائف الأخلاط الأربعة كما أن الأعضاء حادثة عن كثافتها على نسبة محدودة و هو المسمى بالروح البخاري هو حامل لجميع القوى المدركة و المحركة، منبعها القلب الصنوبري و من ثم يتوزع على مواضعه العالية و السافلة، فما يصعد منه إلى معدن الدماغ على أيدي خوادم الشرايين معتدلا بتبريده فائضا إلى