شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٤
و أما إذا اعتبر كونها متضمنة للمصالح و الحكم الكلية بالقياس إلى النظام الكلي، فلا شر أصلا لأن هذا الترتيب و التميز من لوازم الوجود و الإيجاد.
و لعلك تقول: إن أكثر أفراد الإنسان الذي هو أشرف أنواع القسم الأخير يغلب عليهم الشرور، فإن مناط تحصيل السعادة و الشقاوة الأجلتين اللتين يستحقر بالقياس إليها السعادة و الشقاوة العاجلتين للأنفس إنما هو باستعمال قواها الثلاثة: النطقية و الشهوانية و الغضبية لاكتساب ما ينبغي أن يكون بحسبهما من الحكمة و العفة و الشجاعة، و الغالب كما ترى على أكثرهم أضداد هذه الأمور- أعني الجهل و طاعة الشهوة و الغضب- فيلزم كونهم من الأشقياء و الأشرار لا سيما في الأجل.
فاعلم إن الجهل الذي لا نجاة معه في الآخرة هو الجهل المركب الراسخ المضاد للعلم اليقيني و هو نادر كوجود اليقين الذي يوجب قسطا وافرا [عدلا] من السعادة، و أما الجهل البسيط الذي لا يضرّ في المعاد فهو عام فاش في نوع الإنسان و كذلك حال القوتين الأخيرتين. فالبالغ في فضيلة العقل و الخلق و إن كان نادرا كالشديد النزول فيها، لكن المتوسطين على مراتبهم أغلب و أوفر، و إذا ضم إليهم الطرف الأعلى صار لأهل النجاة غلبة عظيمة. و قد شبهت الحكماء حال النفوس في انقسامها إلى هذه الأقسام بحال الأبدان في انقسامها إلى البالغ في الجمال و الصحة، و متوسط و هو الأكثر، و القبيح و السقيم و هو أقل من المتوسط فضلا عن مجموع القسمين. فإذن قد يثبت إن الشرّ ليس بغالب، على أن الحكم الجزم بأن رحمة اللّه لا تنال إلا قليلا من عباده مشكل، و قد قال اللّه تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [١] فإنه يدل على انخراط الجميع فيها مع زيادة تخصيص لأهل الدرجة العليا.
ثم لك أن تقول من جملة الأصول المقررة الحكمية: إن كل ما يجوز صدوره عن الواجب تعالى فيجب وقوعه لعدم البخل و المنع هناك، فقد كان جائزا أن يصدر عنه تعالى خير محض متبرئ عن الشر و الآفة أصلا لكنّا نجيب: إن هذا واجب في مطلق الوجود لا في كل وجود، فقد أوجد ما أمكن أن يوجد على الوجه المذكور، فلو لم يوجد ما لا يخلو عن شر ما لكان الشرّ حينئذ أعظم، فإن عدت و قلت: لم ما أوجد القسم الثاني بلا قصور و آفة؟ قلت: فإذن لم يكن هو هو و رجع إلى القسم
[١] سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.