شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٧
كمقاعد البطلان و الزور عند ملوك الدنيا و ملّاكها، فيحصل لها من لذة اللقاء و سائر اللذات العقلية ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، فإن فارقت و لم يحصل لها التنزه عن العلائق الجسدانية و التبري عن العوائق البدنية، بل بقي فيها الهيئات البدنية و تعلق بها الميل إلى اللذات و الشهوات الحسّية تصير بسبب تلك الهيئات محجوبة عن الاتصال بالسعادة و تبقى مشتاقة إلى مشتهياتها الحسية و لم يجد إليها سبيلا لفقد الآلات فيتأذى بها أذى عظيما، لكن ليس هذا الأمر لازما، بل أمر عارض فيزول الألم الذي كان لأجله و يحصل لها اللذة بالمعارف التي اكتسبتها و ينخرط في سلك المقربين، و ذلك بعد زوال تلك الهيئات و مدة بقاء هذا الألم مختلف طولا و قصرا بحسب كمية تلك الهيئات كثرة و قلة و بحسب كيفية رسوخ الهيئة قوة و ضعفا.
هداية:
أورد في هذه الهداية الحالة الثانية و هي: خلوّ النفس عن الكمال العلمي مع شوقها إليه، على سبيل الإجمال من غير تفصيل لها إلى قسميها، و بين مرتبة النفس مع هذه الحالة فقال: النفوس الناطقة الساذجة- أي الخالية عن الكمال- إذا أظهر لها اتفاقا إن من شأنها إدراك الحقائق بكسب المجهول من المعلوم- أي بسبب ما يتفق لها من كسب المجهول من المعلوم بطريق النظر في الأمور الجزئية- لزم لها من هذا الكسب شوق إلى الكمال إذا تحقق لها منه أنها لو اشتاقت بتحصيل المعارف الحقيقية و العلوم اليقينية التي يذعن كل عاقل غير معاند إنها فضيلة و كمال و إن الجهل رذيلة و نقصان لحصلت لها تلك المعارف و العلوم و كمل بها الكمال الممكن لنوعها، فإذا تفطنت و تيقنت بأن من شأنها الاتصاف بتلك المعارف و العلوم حصل لها شوق و ميلان ذاتي إلى الكمال، لكن هذا الشوق مندمج فيها مستور لا يظهر لها ظهورا تاما في الحياة الدنيا لكثرة اشتغالها بما يلهيها عن هذا الشوق من التعلقات البدنية و الشهوات الدنيوية كما في قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) [١]. فإذا فارقت البدن و انكشف لها شوقها الذاتي إلى الكمال و ليس معها سبب الكمال لفقد الآلات و القوى بسبب الموت يعرض لها من أجل ذلك- أي الشوق إلى الكمال مع
[١] سورة التكاثر، الآيتان: ١ و ٢.