شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٢
و المرتبة الثانية: أن يحصل لها المعقولات البديهية من التصورات و التصديقات البديهية باستعمال الحواس في الجزئيات و التنبيه لمباينتها من المشاركات و المباينات حتى يستعد لأن يفيض من المبدأ عليها الصور الكلية و الأحكام و إن لم ينتقل من البديهيات إلى النظريات- الفكر و الحدس- و هي العقل بالملكة لرسوخ استعداد الانتقال إلى النظريات.
و المرتبة الثالثة: أن يحصل لها المعقولات النظرية لأجل تكرر الاكتساب و ملكة الاستحضار حتى تستحضرها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد، لكن لا تطالعها بالفعل بل صارت مخزونة عندها غير مشاهدة لها، و هي العقل بالفعل أما لحصول قدرة الاستحضار فيها للنفس بالفعل، أو لمسبوقية هذه المرتبة بحصول النظريات.
و المرتبة الرابعة: أن تطالع معقولاتها المكتسبة و هي العقل المطلق المستخدم لما سواها من المراتب المشار إليها من قبل و تسمى عقلا مستفادا من العقل الفعال المسمى بروح القدس في «لسان الشرع»، و هو المعلم الشديد القوى و المؤيد بإلقاء الوحي للأنبياء و هو الذي إذا اتصلنا به أيّدنا و كتب في قلوبنا الإيمان و العلوم الحقّة، و إذا أعرضنا عنه بالتوجه إلى شواغل الدنيا انمحت النقوش عن النفوس فنفوسنا كمرآة إذا أقبلت إليها فقبلت و إذا أعرضت عنها فتخلّت. و الغرض أن النفس على حسب الاستعدادات و الأفكار تستعد للاتصال به و القبول عنه و ليست المقدمات موجدة المنتجة كما توهمه جمع، إذ هي أعراض و العرض لا يوجد شيئا، و كم من شخص إنساني عرض له مقدمات ما أفادته علما و أفادت غيرها علما يقينيا فهذه وسائط و الواهب غيرها، فمراتب النفس منحصرة في نفس الكمال الذي أشار إليه بالعقل المطلق و في استعداده قريبا و هو العقل بالفعل و متوسطا و هو العقل بالملكة و بعيدا و هو الهيولاني.
فإن قيل: مشاهدة النظريات مرة بعد أخرى متقدمة على صيرورتها مخزونة، فكيف يكون العقل بالفعل استعدادا للمستفاد مع تأخره.
قلنا: هو استعداد لاستحضار الكمال و استرجاعه بعد غيبته و هو مقدم عليه لا لاستحصاله ابتداء كالاستعدادين السابقين و من ثم قيل: المستفاد مقدم في الحدوث على العقل بالفعل و متأخر عنه في البقاء، و للنظر إلى هاتين الجهتين جاز تقديم كل