شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٨
الثاني: أيضا وجه إلهامي يستدعي مقدمات أولها: إن العلم التام بشيء من أنحاء الوجود لا يحصل إلا بمجرد حضور ذلك النحو من الوجود عند العالم به دون حصول مثال له، بل لا مثال له أصلا و إنما مثاله نفسه بخلاف الماهية، فإن لها مثالا مطابقا لها في الحقيقة. و بعبارة أخرى، أفراد الموجودات الخارجية بما هي تلك الأفراد لا يمكن حصولها في الذهن حصولا مطابقا لها و إلا يلزم أن يكون الموجود الخارجي من حيث هو موجود خارجي موجودا ذهنيا. و أيضا لما كان العلم الارتسامي بحصول صورة من ماهية الشيء في الذهن، فلا بد من وحدة الماهية و انحفاظها و تعدد الوجود، و هذا إنما يتصور إذا كانت غير الوجود، أو الموجود بما هو موجود.
و ثانيها: إن التأثير و التأثر و العلية و المعلولية عند المحصّلين من المشائين ليس إلا في أنحاء الوجودات، بمعنى أن العلة من حيث وجودها مما تؤثر في المعلول من حيث وجوده، لأن ماهية العلة من حيث هي هي مع عدم اعتبار وجودها علة لماهية المعلول كذلك، اللهم إلا في لوازم المهيات التي هي أمور اعتبارية.
و ثالثها: إنه ليس معنى قولهم: العلم التام بالعلّة التامة يوجب العلم التام بمعلولها، كما يظهر من التدبر في برهانه إن العلم بماهية العلة التامة مطلقا يوجب العلم بالمعلول [و لا ان العلم بالعلة من حيث انها علة اى من حيث معروضيتها لهذا المفهوم يوجب ذلك] و لا أن العلم بها من جميع الوجوه و الحيثيات و اللوازم و الملزومات مما يوجبه حتى يرد على الأوليان، ذلك لا يجري في غير لوازم المهيات، و على الثاني و الثالث، عدم الفرق بين العلة و المعلول في الحكم و عدم فائدة فيه.
بل المراد منه: إن العلم بالعلة بتمام حقيقتها التي هي بها علة تامة متأدية لمعلولها الخاص يقتضي العلم بذلك المعلول، أي أخذها بحيث يكون أية حيثية لها مدخل في تتميم عليتها مأخوذة معها داخلة فيها أو أية حيثية غيرها خارجة عنها و إلا لم يكن ما فرض علة تامة [علة تامة] و هكذا يجري الكلام في انضمام الجهات و الحيثيات التي لها مدخل في العلية إلى أن ينتهي إلى شيء هو لذاته موجب تام، فإذا كان ذلك الشيء لذاته بلا اعتبار آخر علة و موجبا لمعلول خاص، فمتى علم بعلم تام علم كونه علة تامة لذلك المعلول على وجه تأديته إليه و علم من ذلك نحو حصول المعلول منه و نحو كونه في نفسه الذي من توابع كون علته في نفسها.
و الحاصل: إن كل معلول من لوازم ماهية علته التامة بما هي علة تامة له، فكذلك