شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٠
الخبرية في الكل فيتبع صور الموجودات الخارجية الصور المعقولة عنده على نحو النظام المعقول عنده و على حذائه. فالعالم الكياني بإزاء العالم الربوبي، فالعالم الربوبي عظيم جدا. و أيضا لو كان الباري يعقل الأشياء من الأشياء لكانت وجوداتها متقدمة على عاقليته لها، فلا يكون واجب الوجود من كل جهة و قد سبق أنه واجب من جميع الوجوه و يكون في ذاته و قوامه إن تقبل مهيات الأشياء و كان فيه عدمها باعتبار ذاته، فيكون في ذاته جهة إمكانية و لكان لغيره مدخل في تتميم ذاته و هذا محال فيجب أن يكون من ذاته ما هو الأكمل لا من غيره، فقد بقى أن يكون علمه بالممكنات حاصلا له تعالى قبل وجودها لا من وجودها.
هذا حاصل كلام المشائين في علم اللّه بما سواه، و المتأخرون عن آخرهم أنكروا ذلك و شنّعوا عليه بوجوه منها ما أورده أبو البركات البغدادي في كتاب «المعتبر»، و هو أن قولهم لو كان علمه مستفادا من الأشياء لكان لغيره مدخل في تتميم ذاته منقوض بكونه تعالى فاعلا للأشياء، فإن فاعليته لها إنما يتم بصدور الفعل عنه فيجب أن يكون لفعلته مدخل في تكميل ذاته و ذلك باطل، فيلزم نفي كونه فاعلا للأشياء كما أن هذا الكلام باطل، فكذا ما قالوه.
أقول: الفاعلية و كذا العلم و القدرة و نحوها، قد تطلق و يراد بها نفس المعنى الإضافي و لا ريبة في أنها بهذا الاعتبار متأخرة عن وجود ما أضيفت هي إليه. و قد يطلق و يراد بها مبادي تلك الإضافات و هي متقدمة على وجود ما تعلقت به و ليست تلك المعاني بأول الاعتبارين صفة كمالية لذاته تعالى، بل بالاعتبار الثاني، فإن فاعليته تعالى هي كونه بحيث يتبع وجوده وجود جميع الموجودات و كذا عالميته كونه بحيث ينكشف لديه الأشياء و على هذا قياس سائر الصفات الكمالية. فكما أن فاعليته الحقيقية لا يتوقف على وجود الفعل لأن وجود الفعل يتوقف على كونه فاعلا مستقلا، فلو عكس الأمر أيضا لزم الدور فوزانه في العلم أن يجعل المعلوم تبعا للعلم لا العلم تبعا للمعلوم.
و منها ما ذكره المصنّف و أجاب عنه و هو قوله: فإن قيل لو كان الباري عالما بشيء و ارتسمت فيه صورته لكان فاعلا لتلك الصورة لإمكانها و افتقارها إلى ما تقوم به، فتحتاج إلى فاعل و فاعلها إن كان غير ذات الواجب تعالى لزم احتياجه إلى الغير في اتصافه بصفة العلم، فتعين أن يكون الفاعل لها ذاته تعالى و قابلا لها لقيامها به